#adsense

إنّها لحظة الحقيقة بالنسبة إلى “حزب الله”

حجم الخط

نصرالله بالرغم من “التصويب الإصطلاحيّ” في خطابه الأخير
يحرّك مخاوف شيعية وجنوبية ويستحضر الصدر بإجتزاء

إنّها لحظة الحقيقة بالنسبة إلى “حزب الله”

نصير الأسعد

 

في خطابه الأخير في ذكرى مرور أسبوع على إغتيال الحاج عماد غنية، اعتبر الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله أنّ هذا الإغتيال بمثابة “ضربة إستباقية” في إطار حرب إسرائيلية جديدة سوف تحصل في غضون ثلاثة إلى أربعة أشهر، وستكون حرباً برّية بالدرجة الأولى.


ليس لأحد أن يعترض على تقديره ولا على معلوماته في هذا المجال. بيد أنّه من الواضح أنّ نصرالله “ركّز” خطابه الأخير بحيثُ لا يثيرُ الجدل الذي أثاره خطابه في تشييع مغنية لا سيما حول “الحرب المفتوحة”. وهكذا فإنّ “الحرب المفتوحة” إسرائيلية وقرار الحرب والسلم في يد إسرائيل.. في الخطاب “الثاني”.


التزامن مع كشف إسرائيل لمفاوضاتها والنظام السوري


ومع انّ “التصويب الإصطلاحي” الذي قام به يحتاجُ إلى نقاش، فإنّ ثمّة ثلاث نقاط رئيسية تتطلب توقفاً لتبيّن بُنية الخطاب من جهة وأبعاد ما ورد فيه من جهة ثانية، ونتائجه أو تداعياته من جهة ثالثة.


تزامنَ خطابُ السيد نصرالله الذي مضى في تبرئة النظام السوري من إغتيال مغنية أو التواطؤ في حصوله، (بالرغم من إمكانية “تفهّم” أن يعضّ الأمين العام لحزب الله على الجرح وأن يغلّب إعتبار “العلاقة” بدمشق)، مع كشف إسرائيل ما كان معروفاً عن خطّ تفاوضي قائم ومتواصل مع النظام في سوريا. فعن هذا الخط التفاوضي تحدث المدير العام السابق لوزارة الخارجية الإسرائيلية لافتاً إلى أنّ هذا الخطّ كان في أوجه خلال حرب تموز 2006، وإلى أنّ النظام السوري قدّم عروضاً مغرية إلى إسرائيل يتمحور الأساسي منها حول مقايضة “حزب الله” بسلام مع إسرائيل يعتقدُ هذا النظام أنّه يحميه لا سيما حيال المحكمة الدولية الآتية.


هذه النقطة الأولى تفيدُ أنّ إغتيال مغنية “في دمشق” تمّ على تقاطع مع الخط التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي المستمرّ بعد حرب تموز 2006 والمعلنة محطّاتٌ جديدة منه في الآونة الأخيرة. ومن الواضح أنّ “تغافل” نصرالله عن هذه النقطة، مسألة “إرادية” بمعنى أنّه يغلّب إرادياً العلاقة بـ”الممرّ السوري” على الخسارة بإغتيال مغنية. وهذا التغليبُ للعلاقة بـ”الممرّ السوري” مسألةٌ ثابتة ودائمة في “سياسة” الحزب، أي تغليب “الممرّ” على كلّ ما عداه من دون إستثناء..وفي كلّ الحالات.


التعبئة ضدّ إسرائيل والتحريض على الأكثرية


النقطةُ الرئيسية الثانية تتعلّق بحديث نصرالله عن إمتلاك الأكثرية “معلومات” عن حرب إسرائيلية آتية على “حزب الله”، وعن مراهنتها على هذه الحرب الآتية، وعن انطلاقها من هذه “المعلومات” ومن “وعود” بأنّ الحرب ستحصل لتعطيل التسوية في لبنان.


واقعُ الأمر هنا أنّ السيّد يتحدّث عن “معلومات” لدى 14 آذار وعن “وعود” لها، فيما خطابُه ـ الأخير ـ مبنيّ بمجمله على تأكيد أنّ ثمّة حرباً إسرائيلية ستحصل. فإذا كان من معلومات، فانّ “حزب الله” هو الذي يمتلكُها وقد أكد أنّ إغتيال عماد مغنية ضربةٌ إستباقية في سياق حرب إسرائيلية قيد الإعداد. وإذا كان الأمرُ “تقديراً” منطلقاً من قراءة معطيات، فإنّ المعطيات التي يقرأها الجميع “مشتركة”. أمّا الحديث عن “وعود”، فمسألةٌ تتّصل بـ”إرادة التجييش” من جانب نصرالله و”حزب الله” ضدّ فريق 14 آذار. وهنا الخطورةُ، حيثُ يقرنُ نصرالله بين “التعبئة” ضدّ حرب إسرائيلية آتية وبين “التجييش” ضدّ فريق لبناني، واضعاً إسرائيل وفريق 14 آذار في خانة “العدوّ المشترك”.


الخوفُ جنوباً ومن التفجير في الداخل


النقطتان السابقتان تعنيان أنّ “حزب الله” يقاربُ “مرحلة ما بعد عماد مغنية” باستمرار المراهنة على “الممرّ السوري” من ناحية وبـ”التحريض” ضدّ فريق لبناني من ناحية أخرى.


أمّا النقطة الثالثة فتتعلّق بـ”تداعيات” خطاب نصرالله.


من الواضح انّ نصرالله بسبب أنّه يركّز على تعبئة الحزب وجمهوره المباشر لمواجهة حرب إسرائيلية آتية، لم ينتبه إلى مفعول خطابه عند “الناس” وفي الجنوب خاصة. ومع أن ثمّة من يقول إن “حزب الله” لم يُعِر “الناس” إهتماماً يُذكر في قراراته السياسية في مراحل سابقة، فإنّ ما لا بدّ من قوله هو أنّ الخطاب الأخير لنصرالله خصوصاً ولّد ذعراً جنوبياً وشيعياً إذ يَعِد بقتال إسرائيل بشكل “غير مسبوق” على رقعة الجنوب “المنهك” والذي لم يطوِ بعد صفحة حرب تموز. والحال أنّ “ناس الجنوب” يعيشون هذه الأيام خوفاً إستثنائياً جرّاء عدم معرفتهم بما العمل في هذه الظروف.


ومن الواضح أيضاً أنّ نصرالله بسبب تحريضه ضدّ 14 آذار، حرّك بخطابه خوفاً من إنفجار داخلي يسبقُ الحرب الإسرائيلية أو يتزامن معها.


الصدر ونهائية الكيان


إنّ النقاط الثلاث السابقة تمهّد بداهةً للسؤال الآتي: أهكذا يستعدّ “حزب الله” لمواجهة الحرب الإسرائيلية الآتية، أو أهكذا يقترح أن يواجه لبنان هذه الحرب؟.


قبلَ إعطاء الإجابة المنطقية عن هذا السؤال، تجدرُ الإشارةُ إلى انّ إستحضار نصرالله للإمام موسى الصدر في خطابه كان “لافتاً”. فهو كان لافتاً من زاوية إعلان الأمين العام لـ”حزب الله” إستعداده للإلتزام بكلّ ما قاله الإمام الصدر وإستعداده للحوار مع الفريق اللبناني الآخر تحت سقف فكر الصدر “وهو ليس من منظري ولاية الفقيه”.


واللافتُ في الموضوع ليس فقط هذا “التنازل” الفكريّ ـ الثقافيّ ـ السياسيّ المستجدّ وإبداء الإستعداد للتحدّث بـ”فكر” الإمام وثقافته، بل الإقتصار من جانب نصرالله على إستحضار مواقف الصدر في إسرائيل والمقاومة.


بين إعتصام العاملية وإعتصام رياض الصلح


إسهامان فكريّان أساسيان للإمام “يتذكّرهما” الشيعة واللبنانيون. الأول هو نهائية الكيان بالنسبة إلى الشيعة. والثاني هو العيش المشترك والوحدة الوطنية. وبكلامٍ آخر، إقترن موقف الإمام من مقاومة إسرائيل، من المقاومة المسلّحة لإسرائيل بالتأكيد على “الجبهة الداخلية” أولاً وعلى قيام الدولة بواجب الدفاع عن الجنوب وقد ركّز على دور الجيش ثانياً وعلى أنّ لبنان وطنٌ نهائي للشيعة أساساً.


وللتذكير، فإنّ الإمام الصدر نظّم إعتصاماً في الثانوية العاملية في بيروت في العام 1975 ضدّ الحرب الأهلية المندلعة آنذاك. وفي “التاريخ الشيعي”، ثمّة فارقٌ بين إعتصام الصدر في “العاملية” ضدّ الحرب الأهلية، والإعتصام المستمرّ منذ خمسة عشر شهراً لـ”حزب الله” في ساحة رياض الصلح وسط بيروت. ثمّة فارقٌ بين إعتصام ضدّ الحرب الأهلية، وإعتصام يزرع بذورها من جديد، بين إعتصام بنيّة لمّ الشمل وإعتصام يدمّر الوشائج الوطنية.


ما هكذا!


من هنا إذاً، فإنّ الجواب عن السؤال المطروح هو أن ما هكذا تواجهُ حربٌ إسرائيلية آتية، وما هكذا يُختصر الإمام الصدر.
إنّ مواجهة الحرب الإسرائيلية تكون بـ”العودة” إلى لبنان. وعندئذٍ لا تعود الحرب الإسرائيلية قدراً محتوماً. وعندئذٍ إذا حصلت “تُستقبل” بجبهة داخلية موحّدة. وما أبعد “حزب الله” في خطابه وأدائه عن ذلك كلّه.


لذا، لا بدّ من الردّ على خطاب السيد نصرالله بالقول له إنّ “حزب الله” اليوم هو أمام لحظة الحقيقة، بل من واجبه بينه وبين نفسه على الأقلّ أن يكون أمام لحظة الحقيقة.
إنّها لحظة الحقيقة بمعنى انّه أول المطالبين بإنضاج مناخ التضامن الوطنيّ.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل