التناقض الجدلي المهلك في تطبيق الدستور
المحامي جورج ابو صعب
موقف البعض من الطبقة السياسية الحالية في لبنان من الدستور كموقف الرجل المتزوج الذي يخون زوجته يوميا وفي نهاية اليوم يعود الى منزله ممننا نفسه بان ثمة امرأة تنتظره لتعتني به وتعد له لقمة وتغسل وتوضب ثيابه وتنظف له المنزل – فزوجته هي بمثابة تأمين على الحياة – اذا ضاقت به فرص اصطياد حواء اخرى من هنا وهناك كان في صميم نفسه مطمئنا الى ان لديه في كل الاحوال حواء جاهزة "حاضرة" "ناضرة" له يلجأ اليها لحماية نفسه او لضمان ما يريده منها في نهاية المطاف .
فبعض الساسة اللبنانيين اليوم لديهم هذه الرؤية تجاه الدستور : فهذا الدستور كالزوجة المخدوعة لا تدري متى تدخل في نعم زوجها ومتى ينبذها ويتخلى عنها. اذ ان بعض هؤلاء الساسة يستعملون الدستور ويتحججون به عندما يكون الدستور لصالح مطالبهم واهدافهم وينبذونه من جهة أخرى ويسقطونه عندما لا يخدم تلك المطالب او الاهداف: فعندما تريد الاقلية الزام الاكثرية بتأليف حكومة وحدة وطنية تتكلم فجأة عن الفقرة (ي) من مقدمة الدستور وتتذرع بها للحديث عن الميثاقية والوحدة الوطنية والمشاركة الوطنية وسواها من شعارات وتعابير ظاهرها حق لكن غالبا ما يراد بها باطل – وعندما تعتبر الاكثرية ان لا نص دستوري – وهو كذلك – يلزم بوجود ثلث ضامن او نسبية – نرى الاقلية تهمل الدستور وتتكلم عن الديمقراطية التوافقية والحكومة الميثاقية وسواها من شعارات ومصطلحات .
ثمة حقيقة مؤسفة يجب ان نقر بها اليوم ونحن من صلب شعب ثورة الارز وانتفاضة الاستقلال – تلك الحقيقة هي: انه لم يحن الوقت بعد في بلادي كي نركن الى الدستور ونعود اليه ليكون فعلا لا قولا الحكم والمحكم الاساس والمرجعية العليا الالزامية للجميع .
ففي ظل المعلومات والتصاريح وما يرشح من أخبار من رئيس الجمهورية واوساطه والرئيس المكلف واوساطه والرئيس بري واوساطه والنائب جنبلاط واوساطه والاكثرية واوساطها والاقلية واوساطها وبينها كلها وسائل الاعلام من هنا وهناك – نجد انفسنا وقد عدنا لنرسي مجددا على تسويات ومساومات في تشكيل الحكومة من خلال الصيغ المتداولة واهمها صيغة ال(15-10-5) .
فالاكثرية التي فازت في الانتخابات تتحمل واجبا وطنيا وتاريخيا في عدم تسييب وتفريغ انتصارها من اي مضمون – فعليها ان تتمسك بالاكثرية ولو + 1 – لانه لا يصح ولا يجوز ان لا يكون لها وحدها تلك الاكثرية للقضايا العادية بغض النظر عن النقاط الاربعة عشر من المادة (65) من الدستور .
فانطلاقا من الاجماع على ان ما لكل فريق هو للفريق وحده وليس لفريق اخر فاننا لا نجد ما يمكن ان يطمئننا كأكثرية الى ان وزيرين من الوزراء المحسوبين على فخامة رئيس الجمهورية هم للاكثرية – كما ان لا شيء يمكنه ان يطمئننا الى ان الاقلية لم تحصل على الثلث المعطل وهي التي تعتبر الوزير الشيعي من حصة فخامة الرئيس لها في حال اي خلاف حول احدى قضايا المادة (65) من الدستور.
فمع اننا لا نرى كيف يمكن – وللامانة الدستورية والتاريخية – جمع معارضة وموالاة في حكومة واحدة – لان في عرفنا وثقافتنا القانونية والعلمية والدستورية ان الاكثرية تحكم والاقلية تراقب وتحاسب – ومع ذلك كله واذا قبلنا على مضض – بتأليف حكومة ائتلاف وطني (وهذا التعبير افضل من عبارة وحدة وطنية التي تفترض الاتفاق على برنامج وطني واحد بين الجميع يزيل الفروقات والخلافات كافة حيال كل القضايا الوطنية والمصيرية ) الا اننا لا نفهم كيف يمكن ان لا تحتفظ الاكثرية بالنصف + 1 اقله في عهد هو عهدها وبعد انجاز تاريخي وانتصار وطني كبير لها في 7 حزيران الفائت.
نحن نعلم والكل يعلم بانه لو فازت الاقلية في الانتخابات النيابية لما كانت ضحت بقسم من انجازها كما تضحي اليوم الاكثرية وكلنا يذكر الخطاب المتشنج لقوى 8 اذار قبل الانتخابات من ان تلك القوى سوف تحيل قوى 14 اذار الى المحاكمات لو كتب للمعارضة الانتصار.
ومع ذلك مدت الاكثرية بحكمة ووعي يدها للفريق الاخر لبناء شراكة وطنية ورفضت ولا تزال ترفض الى الان – رغم ان هذا حقها الدستوري والقانوني والسياسي الطبيعي لو ارادت، تأليف حكومة اكثرية ولا مانع في ذلك لا بل حبذا لو يتم ذلك – ولكن الى حد ان تتنازل الاكثرية عن ابسط ما منحها الدستور والقانون والحق والواقع الشعبي لتلك الارادة الجارفة نحو التغيير المعبر عنها في صناديق الاقتراع التي افرزت اكثرية شعبية تريد منا العودة الى الدولة ومنطق الدولة ومنطق الدستور والطائف لا البقاء في منطق المحاصصات والتسويات والتركيبات الحكومية العجيبة الغريبة المبتدعة ثم الم يفهم بعد من يجب ان يفهم ان الميثاقية الطائفية لصيغة لبنان لا تقر بالاختزال الحاصل اليوم على الساحة السياسية لتلك الطوائف من خلال أوليغارشية احزاب تحاول احتكار الطائفة لتصبح الطائفة هي وهي الطائفة – فالطائف كما الدستور لا يقران بهذا الاختزال – بل يقران بالميثاقية المساوية بين المسلمين والمسيحيين – كائنا من كان المسيحي وكائنا من كان المسلم – فلدى الاكثرية مسلمين ومسيحيين كما للاقلية – فالعبرة في ميثاقية الفقرة (ي) كما سبق وأكدناه وشرحناه سابقا ليس للقوى السياسية الطائفية بل للطوائف نفسها وتمثيلها العادل والمتساوي – والقول عكس ذلك يعني جر لبنان الى نظام محاصصة سياسية للقوى الفاعلة على الارض وتكريسا لاعراف ومفاهيم اغرب ما تكون عن الطبيعة اللبنانية والاعراف اللبنانية وقواعد النظام اللبناني – ولعل من ابرز نتائج هذه البدع ما يتجلى اليوم ايضا في عملية التأليف: بحيث ان الالية المعتمدة تكرس منطقا فدراليا للقوى السياسية بحيث ان زعماء الكتل يختارون مرشحيهم لفرضهم على فخامة رئيس الجمهورية ودولة الرئيس المكلف – فهذه الالية المبتدعة تضرب مرة جديدة باسس الدستور ولا سيما المادة ( 64 ) منه التي تنيط بالرئيسين اختيار الاسماء وتوقيع مرسوم تشكيل الحكومة.
فهنا ايضا يبرز التناقض بين النص الدستوري وما يصرح به البعض من انه يلتزم روح الدستور واحيانا تبلغ به الوقاحة بادعاء التزامه نص هذا الدستور – واي نص منه؟
لذلك نعود ونؤكد على ضرورة التزام الجميع بالدستور وبالطائف والكف عن الاستنساب والمزاجية في الاستعانة بهما او ضربهما عرض الحائط تبعا للمصالح والاهواء الفئوية والشخصية – بالامس كتبنا عن الدستور بانه ضحية الديمقراطية التوافقية المبتدعة – واليوم نقول ان اكثر ما يهلك دستورنا ونظامنا السياسي اليوم هو هذا التناقض في النظرة اليهما وفي تفسير الدستور وفي تطويعه لمصالح فئوية وشخصية وذاتية .
فارفعوا ايديكم عن الدستور ودعوه ينطلق كما يجب اذا اردنا فعلا البدء ببناء دولة القانون والمؤسسات .