حوار ديبلوماسي على إيقاع الوتر الإيراني!
صلاح سلام
يبدي ديبلوماسي عربي مخضرم تفهماً كبيراً للأسباب والدوافع التي تجعل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يتمسك بهذا الخطاب التعبوي الشعبي، ذات النبرة العالية، وهو يخوض معركة فاصلة مع العدو الصهيوني، وحليفته الكبرى أميركا من جهة، ويتصدى لصراعات سياسية مريرة ذات طبيعة طائفية ومذهبية معقدة في الداخل اللبناني، من جهة ثانية·
وبالتالي فإن الحزب بحاجة للحفاظ على تعبئة جمهوره، وضمان تماسكه خلف قيادته، رغم الظروف السياسية والنفسية والمعيشية الصعبة المهيمنة على الوضع اللبناني· ولكن ما يفاجئ الديبلوماسي الخليجي المتابع “للدراما اللبنانية المستمرة”، على حد قوله، منذ أحداث السبعينات، وما حملته من حروب عبثية ومعارك إقليمية، ما يسميه “الانعطافة الواسعة” لحزب الله نحو الداخل اللبناني، وتحوله الى طرف مباشر في مناورات الزواريب السياسية الضيقة، وفي احتكاكات الشوارع المذهبية التي اعتادت التعايش الإسلامي الحضاري على مر القرون، الأمر الذي أفقد الحزب هالة المقاومة المنتصرة على الاحتلال الاسرائيلي، وأحبط انتشار بريق السيد حسن نصر الله في العالمين العربي والإسلامي، إثر الانتصار التاريخي الذي تحقق في حرب تموز 2006 ·
ويتساءل الديبلوماسي الخليجي، الذي كان حتى الامس القريب من أشد المتحمسين للمقاومة وقيادتها في لبنان، عن مبررات تحول حزب الله، عن سابق تعمد وتصميم الى طرف في لعبة الرمال المتحركة المحلية، والى “اداة”، من حيث يدري أو لا يدري، لتحقيق مصالح وغايات خارجية، تبدو وكأنها تتعارض مع المصالح الوطنية اللبنانية·
“أخشى، يقول محدثي، أن يحصل مع حزب الله في لبنان، ما حصل مع الجماعات الإسلامية في باكستان، عندما لم تعد تفرّق بين “العدوّ” على حدود كشمير، والشقيق المسالم في الداخل، فهدر دم أبناء الوطن الواحد، وأبناء الدين الواحد في الداخل، والعدو يتفرج عليهم من الخارج··”·
وتحاول أن تلطِّف “الجو” مع الديبلوماسي الذي جعل من “المسألة الإسلامية” قضيته الاولى، نظرا لتداخلاتها في توجهات حياتنا السياسية، وفضلاًعن انعكاساتها المختلفة على علاقاتنا العربية والإسلامية، وتشعباتها المتعددة في نسيج بعض المجتمعات العربية والإسلامية·
وعندما تقول إن الخلافات في لبنان هي خلافات سياسية، أكثر مما هي طائفية أو مذهبية، وإن شعار المشاركة، الذي ينادي به حزب الله، هو هدف سياسي أولاً وأخيراً··، يجيب الرجل وكأنه أمسك بطرف الخيط من جديد:
– لا أحد يستطيع أن يلغي أحداً في لبنان· فتوازن المعادلة الوطنية يفرض على كل طرف القبول بالآخر، والتعامل معه وفق أسس الميثاق الوطني وقواعد الدستور· وبقاء حكومتكم مبتورة بعد خروج وزراء أمل وحزب الله منها، يؤكد صحة ما أقول، لأن الاكثرية، رغم أنها أكثرية لا تستطيع، وقد لا تكون بوارد ذلك أصلاً أن تقفز فوق واقع التمثيل الشيعي الحالي، وتعين بدلاء عن الوزراء المستقيلين من الشيعة المتعاطفين مع فريق 14 آذار·
“ولكن الأسلوب التصعيدي الذي يواكب المطالبة بالمشاركة يطرح أكثر من علامة استفهام· في الاساس مطلب المشاركة قد يكون مبرراً في نظر البعض، ولكن إذا كانت تكتيكات المشاركة قد أدت الى هذا الانقسام المذهبي، وإحداث توتر محموم بين السنّة والشيعة، وصل الى حد تكرر الاحتكاكات في الشارع الواحد، فعندها يصبح مثل هذا الكلام، وبهذه الطريقة،عن المشاركة خطراً لا بد من معالجته، قبل أن يتحول هذا “الخطر المذهبي” الى كارثة حقيقية لا تعود تنفع معها لا المشاركة·· ولا حتى الاستئثار بالسلطة!
“يا جماعة·· حزب الله ما زال في خضم المعركة المصيرية مع العدو الاسرائيلي، وبالامس سمعنا السيد حسن نصر الله يعلن الاستعداد لخوض حرب مفتوحة مع العدو· فكيف يمكن لحزب الله أن يذهب الى الحرب وخاصرته الداخلية رخوة بفعل الانقسامات السياسية والطائفية والمذهبية الحالية··”·!
ولكن ماذا يستطيع أن يفعل اللبنانيون أمام حجم الصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة في المنطقة وعلى ساحتهم، وهم عاجزين عن معالجة الخلافات العربية – العربية التي تلقي بظلالها الثقيلة على ازمتهم وتزيدها تعقيداً··؟!
يستحضر الديبلوماسي الخليجي ملفاً من درج مكتبه، ويقلب أوراقه وهو يتحدث:
– ليست المشكلة في الخلافات العربية – العربية، والتي يمكن معالجتها في اللحظة المناسبة، بقدر ما يكمن لبّ المشكلة الحقيقية في لبنان وعلى امتداد نقاط التوتر في الجسم العربي، في هذا المد الإيراني الذي ساعدته الولايات المتحدة الأميركية، بشكل مباشر أو غير مباشر، على فلش نفوذه في المنطقة بعد إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، فكان أن استعاد “نظام الخميني” أنفاسه من جديد، وتقدم الى “اختراق” مواقع جيوسياسية مهمة في المنطقة، لم يستطع الوصول إليها خلال وجود طالبان في الشرق وصدام حسين في الجنوب·
ويتابع وهو يؤشر على خريطة أخرجها من الملف الذي أمامه:
– الانفلاش الإيراني لم يهيمن على جنوب العراق، المتاخم لحدود الكويت والسعودية وحسب، بل أيضاً عزز وجوده في سوريا ولبنان، وأحكم قبضته على قطاع غزة المجاور للحدود المصرية وأفاق العرب، متأخرين كالعادة، على تغلغل المد الإيراني الذي أصبح على تماس مع دول “القرار العربي” والبعيدة عن حدوده أصلاً آلاف الكيلومترات·
“حاول العرب استيعاب “الصدمة الإيرانية”، والتعامل مع الواقع الجديد من خلال فتح قنوات الحوار والتشاور مع طهران التي تحتاج الى التأييد العربي في معركتها النووية مع أميركا والغرب·
“وفود عربية ذهبت الى طهران·· وأخرى إيرانية جاءت الى عواصم العرب، وزيارات متبادلة تمت على مختلف المستويات، وقمم عقدت مثنى وثلاث·· ولكن، يبدو أن العلاج العربي لم يكن ناجعاً مع مراجع القرار في طهران التي تدغدغها الطموحات الفارسية القديمة·
ويخلص الديبلوماسي المخضرم الى طرحه استنتاجاً لا يقل خطورة عن الكلام السابق:
— أخشى أن نكون أمام مرحلة بائسة تستعيد أيام الصراع العربي – الفارسي القديمة· ذلك أن استمرار حالة الوهن في الجسم العربي، وغياب القرار العربي الواحد، وتفاقم هذا التصدع المتزايد في الصف العربي، من شأنه أن يغري القيادة الإيرانية الحالية، المعروفة بجموحها الإيديولوجي والسياسي أكثر فأكثر على قضم القرار العربي، وفرض هيمنتها على أوضاع المنطقة العربية، والتفرد بتقرير مصير الملفات المصيرية الكبرى التي سترسم الخريطة السياسية الجديدة لدول المنطقة·
ويصمت برهة، وكأنه لاحظ استغرابي لكلامه، ثم يتابع:
– قد تعتبر أن في تحليلي بعض المبالغة· ولكن دعني أسأل بكل وضوح، ودون أن أقلل من احترامي أو من دور أي طرف عربي: ماذا يمنع إيران ان تفاوض واشنطن على هدنة غزة، كما يحصل التفاوض حالياً بين الاميركيين والإيرانيين حول الامن في العراق! ألا تستطيع إيران أن تفاوض برلين، أو أية عاصمة أوروبية معينة، حول ملف الاسرى الذي يمسك به حزب الله، أو حتى حول مشاكل قد يعترض في المستقبل القريب، سبل تطبيق القرار الدولي 1701 الخاص بوجود قوات اليونيفل جنوب لبنان!
ويذهب محدثي أبعد من ذلك:
– هل تعلم أن السجال الدائر عندكم حول المثالثة في الحكومة، انطلق أساساً من طهران في إطار النقاش والتفاوض مع الفرنسيين حول تعديل اتفاق الطائف وتطبيق المثالثة بين السنّة والشيعة والمسيحيين، بدلاً من مبدأ المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في إدارة السلطة وفي الوظائف العامة·
وتكر سبحة الكلام غير المباح مع صاحبي، منذ انتصار ثورة الخميني في إيران، ومحاولات الملالي الجدد تصدير الثورة “الى الخارج، وما جرى بعد ذلك من حروب أخطرها الحرب العراقية – الإيرانية، وعاصفة الصحراء لتحرير الكويت، وقيام نظام طالبان في أفغانستان، مروراً بالصدامات المذهبية التي انتشرت في الهند وباكستان وأفغانستان لوقف المد الإيراني هناك، الى الحرب الاميركية على العراق، وحرب تموز في لبنان، وتفرد حماس في غزة، حوار طويل ومتشعب، تداخلت فيه المعلومة مع التحليل وتشابكت على ضفافه المواقف مع المفاوضات السرية، وخلص في نهايته الديبلوماسي الخليجي المخضرم الى استنتاجات خطيرة، أكتفي اليوم بالجملة الاخيرة:
– لنراقب ما سيجري في إيران خلال الأسابيع المقبلة سواء بالنسبة للانتخابات أم بالنسبة للملف النووي، وبعد ذلك نتائج التطورات في لبنان وباكستان· الرهان الإيراني يتركز على هذين البلدين حالياً، بعدما أصبح موضوع العراق منتهياً لصالح الجانب الإيراني، كما تقول طهران!!