حقيقة مع عدالة أو من دونها؟
من مفاتيح التحول الذي يقوم به رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط راهنا ، وبعيدا من خطاب الحزب المستعاد من حقبة منتصف القرن الماضي ، نصيحته اكثر من مرة للرئيس الملكف تشكيل الحكومة سعد الحريري بأن عليه طلب الحقيقة وربما الاكتفاء بها من دون طلب العدالة، إذا ما كانت هذه ستذهب بالسلم الاهلي في البلاد.
و لعل اهم ما في هذه المقاربة التي برزت في احدى مقابلات النائب جنبلاط التلفزيونية قبل ايام من الانتخابات النيابية الاخيرة تشديده على خطورة تقرير مجلة "در شبيغل" الالمانية الذي حفل بمعلومات ومزاعم تفيد ان "حزب الله" كانت له يد طولى في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ، بما يحرّف التوجه الاساسي الذي استقر لسنوات عند الدور السوري ليضع الكرة في الملعب اللبناني الداخلي بأخطر الاشكال و اكثرها دراماتيكية. وكان جنبلاط، ولا يزال، يتخوف من ان يكون تقرير المجلة الالمانية مقدمة للقرار الاتهامي المنتظر الذي ستصدره دائرة النائب العام التابعة للمحكمة الخاصة بلبنان في لاهاي إيذانا ببدء المحاكمات التي طال انتظارها في احدى اكبر الجرائم الارهابية السياسية التي يشهدها لبنان منذ وقت طويل. واتهام "حزب الله" وحده، او بالاشتراك مع السوريين، في اغتيال الحريري ستنشأ عنه مضاعفات خطيرة في الداخل اللبناني على رغم ان التقرير الاتهامي ليس ادانة نهائية ينشأ عنها حكم مبرم تصدره المحكمة. ولكن مجرد الاشارة الى الحزب الممتلك اكبر منظومة امنية وعسكرية في الشرق العربي من زاوية ضلوعه في اغتيال احدى كبرى الشخصيات السياسية السنية في المشرق العربي، لن يمر مرور الكرام في لبنان او في العالم العربي، ولن تنجح كل المحاولات التي ستحصل لتطويق مفاعيل القرار الاتهامي في حرف الانظار عن الحزب، خصوصا انه لم يعد يتمتع بالشعبية اللبنانية والعربية على النحو الذي كان في السابق. وقد ساهمت سياساته في الداخل اللبناني في ارفضاض النسيج اللبناني المتنوع عنه، ولا سيما بعدما توجّه السلاح نحو الداخل. وما كانت المصالحات كافية لتبدد الهواجس الكبيرة والمتجذرة في مختلف البيئات المحلية.
اليوم يقول النائب وليد جنبلاط انه يخشى فتنة سنية – شيعية على خلفية قرار اتهامي يورط "حزب الله" في جريمة الرئيس الحريري، وربما بادراكه ان الحزب لن يتورع عن احراق لبنان كله من اجل قضية كهذه.
والسؤال الفلسفي هنا هو: هل نقبل بالحقيقة من دون العدالة، ام نُصر عليهما معا؟
ثمة من يقول ان الرئيس سعد الحريري متى لاح له خطر فتنة سنية – شيعية سيكتفي بالحقيقة ويتنازل والعائلة عن العدالة ضنا بالبلاد والعباد.
وهناك من يذهب في منحى آخر ليقول إن قبول الحريري بالحقيقة وحدها من دون العدالة لا يكفي، لأن احدا في الدنيا لن يكون في مقدوره تبديد المشاعر التي ستلتهب في حال صدور القرار الاتهامي متضمنا مسؤولية لـ"حزب الله" في الجريمة.
فكيف ستكون الحال بين بيئتين لبنانيتين كبيرتين وبينهما دماء رفيق الحريري؟ وكيف تستمر العلاقة مع جهة داخلية مسلّحة تحوم حولها شبهات بهذه الخطورة؟
لقد كان انتقال النائب جنبلاط من اصطفافه مع رفاقه الاستقلاليين الى "منزلة بين منزلتين" ينطوي، من خلال ايحاءاته وإيماءاته، على الشعور بالخوف مما هو آت. والمشكلة ان "حزب الله"، محور الخوف، تحول آلة ترهيب في الحياة السياسية والاهلية الداخلية اللبنانية. من هنا فإن المكاسب التي يحصّلها اليوم موقتة، ومجبولة بالخوف، وستكون بمثابة قنابل موقوتة ترتد عليه في المستقبل لأنه لن يجد كثيرين في صفه ساعة تأتي ساعة الحقيقة مع الاستحقاقات المصيرية.
اما سؤالنا الذي يبقى قائما مع المصالحات وبدونها، ومع التحولات وبدونها: اي لبنان نبنيه مع "حزب الله" كما هو اليوم؟