#dfp #adsense

رسالة الى جنبلاط

حجم الخط

رسالة الى جنبلاط

من محب لـ14 آذار، من أعمق الأعماق أقول لقائد كبير لثورة الارز: شكراً. أنت تبقى في سجل هذه الثورة الفتية رمزاً بارزاً من رموزها مهما يجري اليوم من تحولات. فما حدث خلال الاعوام الاربعة الماضية اصبح تاريخاً لا يمكن تغييره او تعديله. المتاح فقط هو العودة الى قراءته وأخذ العبر منه.

كاتب هذه السطور من جيل من تتوجه اليه الرسالة. وزيادة على ذلك فهو من شاءت الاقدار ان يبدأ مهنة الصحافة مراسلاً يغطي نشاطات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي الراحل كمال جنبلاط وذلك قبل 34 عاماً. وهنا لا تفارق الذاكرة المرحلة التي مر بها الزعيم الكبير في آخر حياته، ومنها اللقاء الشهير الذي جمع جنبلاط والرئيس السوري حافظ الاسد في دمشق في 27 اذار عام 1976. بعد لقائهما المطول أصرّ جنبلاط على العودة في ساعة متأخرة من العاصمة السورية رافضاً دعوة الاسد الى المبيت هناك. وعرّج موكبه على عاليه حيث استنهض الانصار في سياق الحرب الاهلية التي هناك الكثير ليقال فيها وعليها. فكان ما كان من تدخلات دفع حياته ثمناً لها في العام التالي على يد السوريين. ان كمال جنبلاط الذي رفض المبيت في دمشق بدعوة من حافظ الاسد تفادياً لقبول تسوية معه، كما لوحظ آنذاك، رفض بعد ذلك بأشهر دعوة من الرئيس المصري أنور السادات للبقاء في القاهرة انقاذاً لحياته بعدما تأكد ان حكام دمشق قرروا تصفيته. وهكذا اختار كمال جنبلاط طريقه وقرر الاستشهاد في وطنه وفاء لكل ما آمن به وعمل من أجله على رغم انقسام اللبنانيين في ذلك الوقت.

في العام 2005، وفي ظروف مختلفة تماماً، قرر الرئيس رفيق الحريري البقاء في لبنان حتى كان استشهاده في 14 شباط من ذلك العام. آخر الذين قالوا انهم نصحوه بمغادرة لبنان تفادياً لمخطط اغتياله اصبح اليوم وزيراً للاعلام والثقافة في المملكة العربية السعودية عبد العزيز خوجة، وذلك بعد قول مماثل لنائب الرئيس السوري السابق عبد الحليم خدام. ومن مصادفات الاقدار ان يكون الصحافي عاملاً عن قرب مع الرئيس الحريري ليدرك كم كان تصميمه هائلاً على البقاء في وطنه الى جانب شعبه مدافعاً عن مبادئه في حق لبنان بالسلام حتى وان يكن الحقد قد بلغ مستوى طنّين (2) من المواد الشديدة الانفجار لتزرع على طريقه قرب السان جورج. وقد أعطى الحريري الاشارة الكبرى عندما وقعت "مسرحية" النظام اللبناني – السوري المشترك ضد "جمعية بيروت للتنمية" قبل يوم من استشهاده فأعلن انه غير آبه بأي نوع من التهديد فنزل الى مقر الجمعية التي كانت توزع الزيت مجاناً على المحتاجين ليؤكد ان غصن الزيتون اصلب عوداً من ارهاب هذا النظام. ولم تمض ساعات حتى لاقى الحريري مصيره الذي حدد مصير لبنان ولا يزال بلداً حراً سيداً مستقلاً يمثل ابهى ما في العروبة التي يتطلع اليها العرب الاحرار.

في تجارب العمر الذي مر ما يكفي لتبيان كيف يصنع رجل المبادئ تاريخ وطنه كما فعل رفيق الحريري. لقد ألهم اللبنانيين في 14 آذار 2005 طريقاً يمثل فرصة نادرة في تاريخهم المشبع بالانقسام والكراهية والتبعية لكي يتوحدوا في وجه عتاة المنطقة الذين يريدون اللبنانيين قرابين في لعبة السيطرة كما لا يزالون يفعلون حتى اليوم.

14 آذار 2005 كانت البداية ولا تزال. انها تجربة فتية تمثّل الوجه الجديد للبنان. وعندما وقف قادة هذه التجربة في ساحة الحرية امام البحر البشري الهادر امسكوا بحبل النجاة الذي مده التاريخ للبنان. وهذا ما جعل المحكمة الدولية حقيقة، كما جعل العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا حقيقة، وكذلك ما جعل القرار 1701 حقيقة. لكنها لا تزال البداية التي تحمي لبنان كما اثبتت الانتخابات النيابية الاخيرة.

في 14 آذار 2005 برهن اللبنانيون انهم مع خيار السلم الأهلي. ولا مبالغة في القول ان انهاء هذه الظاهرة (14 آذار) التي هي الاجمل في تاريخ لبنان هو المحاولة الاخطر للنيل من السلم الاهلي.

عندما يلتقي وليد جنبلاط وسعد الحريري قريباً ستكون المهمة الاولى ان يعود مشهد قادة 14 آذار معاً. انه الشرط الحقيقي لحماية لبنان ليكون بأسره مربعاً آمناً لا مربعاً أمنياً لا يزال يحلم به كذلك محور دمشق – طهران.

لوليد جنبلاط كل محبة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل