من أغرب ردود الفعل التي صدرت عن إعلام المقاومة على الغارة الإسرائيلية التي استهدفت كوادر من «حزب الله» في القنيطرة السورية، كانت وصف الحادثة بأنها بمثابة الانزياح الطبيعي للصراع الحاصل داخل سوريا، في اتجاه هويته الأصلية، بعدما طبعته لفترة من الزمن «الأسماء الحركية».
المقصود هو الثّورة كاسم حركي لمؤامرة إسرائيلية كبرى، على اعتبار ان الثورة تلّطت لفترة طويلة تحت عناوين» ثورة الكرامة والحرية» أو «الثورة ضد استبداد نظام الأسد»، رغم أن كل المعطيات التي حصلت في سياق هذا الحدث تؤكد صفتها كثورة شعبية مكتملة الأوصاف، وفق معايير تصنيف الحراكات السياسية والاجتماعية، إن لجهة كثافة المشاركة والفئات المنخرطة بها، أو لجهة انتشارها على حيز جغرافي شمل أغلب الجغرافية السورية.
لا يحمل هذا الوصف شبهة الاستعجال أو النزق، نتيجة تأثر قائله بالحادثة، فلا يمكن لأي نزق، مهما بلغت حدّته، أن يمسح دماء مئات آلاف الشهداء الذين سقطوا في سبيل الحرية ولا عذابات تشرد الملايين والمفقودين والمغيبين، هل كان كل ذلك كرمى لعيون اسرائيل وتنفيذا لأجنداتها، في مواجهة تنظيم لم يعد له علاقة بالحرب معها، بعد قبوله القرار 1701، الذي قيّد حركته تماماً، أو نظاماً لم يفكر بمحاربتها يوماً، ولم يكن وارداً ضمن استراتيجياته التفكير بهذا الامر لعقود طويلة سابقة ومقبلة؟
كل ذلك لا يعدو كونه منهجاً عنصرياً في تفسير الأحداث والظواهر، يرتكز على منطلقات أيديولوجية غيبية، أساسها أن الآخرين لا يقومون بالثورات، الثورات فعل لا يليق إلا بأطراف معينة ، وبما أن هؤلاء السوريين من صنف أدنى، بالتالي فإن ما يقومون به يبقى فعلا دنيئاً، وإما فعل غوغائي فوضوي، هذا في حالة تحكيم حسن النوايا في التفسير، أو في الغالب عمل مؤامراتي خبيث يتطابق مع السلوكية الدونية التي ينطلقون منها، ثم الثورة على من؟، نظام يقع ضمن المنظومة المقدسة المسماة «مقاومة»، والمفروض إنه أعلى قدراً وشأنا من المساءلة والمحاسبة من قبل أطراف غير مؤهلة أخلاقياً وقيمياً لهذه المهمة، ومن أجل ماذا؟ الفساد! إذا كانت قيادات وكوادر «حزب الله» المتنفذين بدأت بعزل نفسها ضمن أحياء ومناطق خاصة ويسكنون في قصور فاخرة على أطراف بعض القرى الجنوبية، نتيجة تمتعهم بفوائض صادرات النفط الإيرانية، على ما ذكر تقرير نشرته مجلة « فورن بوليسي» في عددها الأخير.
لعل هذا ما يفسر عدم تعاطف جمهور «المقاومة» مع كل أشكال الموت التي يتعرض لها السوريون، مع ان البيئة المستهدفة من قبل نظام الأسد بالقتل والموت قريبة من بيئة هذا الجمهور، إن على مستوى التقاطعات بين أفراد البيئتين، أبناء العشوائيات والضواحي والأرياف، أو على مستوى التداخل والاندماج العلائقي الحياتي بينهما، في أماكن العمل اللبنانية (في المقالع والحقول والخدمات) أو في الأسواق الشعبية السورية، في دمشق وحمص.
هذا الأمر له صلة بسلوك عميق تمارسه «المقاومة» في طريقة عملها، فهي ترفض إشراك الآخرين بالفعل المقاوم، حتى وإن تمت الاستفادة منهم فإن ذلك يتم من خلال أعمال حصرية يأنف المقاومون القيام بها، وهذا يعود إلى حقيقة النظر للآخرين على أنهم ليسوا فقط غير موثوق بهم وإنما لكونهم أقل قدرا من تنفيذ الأعمال «الجليلة»، التي تقوم بها «المقاومة»، كما أنهم لا يستحقون «المجد» نتيجة أدائهم للمهام المقدَسة.
كلنا يتذكر المقولة الشهيرة لأمين عام» حزب الله»: «ما في شي بحمص». لم يكن يومها يقصد التمويه ولا التضليل، تلك صفات لا تحتاج اليها المقاومة، إنما كان يقصد أنَ الأمور طبيعية طالما أن النظام هو الذي يقتل ويردع، وطالما أن الآخرين هم في وضع المقموع والمقتول. إذاً، الأمر طبيعي ولا يحتاج لكل هذا الضجيج، ولا شك أن نسق الخطاب هذا سيتطور بعد مدة عندما يشتد عصب الثوار ويتحولون إلى مقاومين للظلم الواقع عليهم، حينها سيصبحون بنظر «المقاومة» إما تكفيريين من خارج العصر وإما متآمرين خونة، وبالتالي يستحيل حتى للحظة الشك، أو حتى الافتراض أنهم خارج هذين التعريفين، أو الإدراكين (بلغة أدق)، مستحيل أن يكونوا ثواراً. هذه الصفة لم يقبلها العقل «المقاوم»، وللأسف لا يخضع تعريف «المقاومة» للثورة لمعايير واضحة ومحدّدة، بل هو نتاج عقلية عنصرية تستند إلى أحكام قبلية، لا يمكن زحزحتها أو تعديلها، تحت اي ظرف من الظروف.
قتلى «المقاومة» في أي مهمة وعلى أي جبهة «شهداء»، أما أن يموت مئات آلاف السوريين فذلك أمر غير مهم، الشيء الذي يستحق الاهتمام في مأساة السوريين أنها تسلط الضوء على قداسة «المقاومة» وتثبت أحقيتها وجدارتها. التفاصيل الأخرى ليست أكثر من لواحق للفعل الأول «الخيانة والتآمر والغباء»، وفي أحسن الأحوال التمرد والجنوح ، وحده العقل العنصري من يرى أن ملايين السوريين مغرر بهم، لدرجة أن واحدة من النائبات في مجلس النواب الأردني، ممثلة عن حزب يساري، أكدت أن السوريين افتعلوا الثورة ليأتوا الى مخيم الزعتري ويتمتعوا بالمساعدات، التي تمنحها إياهم مفوضية الأمم المتحدة، عبارة عن كرتونة معلبات شهرية! ألم أقل لكم أن الدونية هي محرك الثورة؟ خلاصة قراءة العقل «المقاوم» للثورة السورية.