"عزل الكتائب" مرة أخرى ؟
I
يزداد التهيؤ للحرب في اسرائيل.
اياً تكن جدية التحضير واحتمالات وقوع حرب وشيكة، يجدر أخذ الاستعدادات الاسرائيلية بكثير من الجدية.
اول الجدية ان يمتنع "حزب الله" عن اهداء اسرائيل اية ذريعة، مهما تكن واهية. ومهما تكن داهية.
طبعاً، اسرائيل التي لا تحتاج الى ذرائع، ويمكن ان تختلق الذرائع، كأن تغتال هي نفسها سفيراً من سفرائها في الخارج (في مصر مثلاً) لتلصق التهمة بـ"حزب الله".
لكن ثمة فارقاً جلياً في التعامل الدولي مع حرب تباشرها اسرائيل بلا مبررات، وحرب تبدو المقاومة الاسلامية شريكة في اسبابها.
مصلحة لبنان عموماً، ومصلحة "حزب الله" خصوصاً، تقضي بالفرار من الحرب كما من طاعون.
عقلاء "حزب الله" (وهم كثر) وأصدقاؤه الحقيقيون (هل هم كثر؟) مدعوون الى خنق اية نزعة مباهاة بالقوة، او استخفافية بقدرة العدو او بتداعيات اي غزو جديد. الوقت ليس لمخاطبة "جمهور المقاومة" واستنفار صموده، بل لسياسة عاقلة جداً، باردة جداً، لا تصفيق فيها ولا استعراضات.
II
تلوح في الأفق حملة متعددة الطرف لضرب عزلة حول "القوات اللبنانية" بداعي انها لم تبارح موقفها الايديولوجي السابق، بل عاودت نشاطها في تشكيل "خلايا امنية".
حملة كهذه تعيد الى الاذهان الحملة التي استهدفت "عزل الكتائب" في الستينات والسبعينات مما كان له الأثر الأكبر في تحشيد المسيحيين حول الحزب وكشف مدى عجز "الحركة الوطنية" يومذاك عن فهم النوابض العميقة في الذاكرة التاريخية لشطر كبير من المسيحيين.
الحزبان اليساريان اللذان قادا الحملة (الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي) قاما لاحقاً بنقد سلوكهما باعتباره علامة تصدر عن ادراك تاريخ التكون الطائفي اللبناني، وسبل التعاطي مع الكتلة المسيحية الشعبية التي ارتمت يومها في احضان "الانعزال" الايديولوجي.
اليوم، تتكرر التجربة من جانب قوى ذات صفاء طائفي كبير على مستوى القاعدة، وان تكن تحتفظ بخطاب يساري موروث على مستوى القيادة. مما يدفعنا الى السؤال الفج: ألم تتعلم هذه القوى السياسية من تجاربها وابتلاءات الوطن؟ ألن تقدم هذه القوى على قراءة نقدية لتجربتها، قبل قراءة تجارب الآخرين؟
لم نكن مرة، منذ ما يزيد على الثلاثين عاماً، من المعجبين بالايديولوجيا التي حملها حزب الكتائب او ابنته "القوات اللبنانية".
وقد انخرطنا في المعركة الاعلامية لعزل الكتائب انخراطاً دام سنوات.
لكننا ارتضينا تنقية الذاكرة، و"التوبة الوطنية" عما جرى. فلماذا اعادة نبش القبور، بحثاً عن اشلاء الجثث وأشلاء الافكار؟
لا تكرروا الحرب في العقول. فهي مقدمة دائمة للحرب بالبنادق (والمدافع…).