
تغيّر المشهد من “الزمن الفدائي” الذي إنطلق منتصف ستينات القرن الماضي الى الزمن “الداعشي” في يومنا هذا، ولكن لعنة اللادولة التي ترافق اللبنانيين على حالها منذ قيام جمهورية 1943.
ففي حقبة نشوة “الزمن الفدائي” في سبيل القضية الفلسطينية، إستبيحت الاوطان تحت وطأة الهيجان الشعبوي الذي راح يبرر إنتهاك القوانين والدساتير وتسخير الدول وتحويل اراضيها صناديق بريد متفجرة، وتحوّل المواطنون في اوطانهم الى رهائن مذللولين على يد السلاح الفلسطيني.
يومها، حاول الفلسطينيون تحويل المملكة الاردنية الهاشمية وطناً بديلاً، فما كان من الملك الحسين إلا أن ضرب بيد من حديد إنتهاكات المجموعات الفلسطينية التي تهدد إستقرار المملكة ووجودها، فأعلن في أيلول 1970 حال الطوارئ وأمر الجيش بوضع نهاية لوجود المنظمات الفلسطينية في الأردن، وهو ما عرف بأيلول الاسود، ودامت العملية الدموية أشهراً عدة. يومها، لم ينقسم جيشه ولم يتهم بأنه يضطهد أهل السنة وهو حفيد الرسول ولم تهدر الدول العربية الاخرى دم المملكة.
في المقابل، كان الوضع شبيهاً جداً في لبنان بعد إنطلاق العمل “الفدائي” العام 1965، تسيّب في المخيمات الفلسطينية والجنوب حيث فرض السلاح الفلسطيني دولة “فتح لاند”، إنتهاك للقوانين اللبنانية، إذلال للمواطنين اللبنانيين وتهشيم في هيبة المؤسسة العسكرية. وعند إحتدام المواجهة بين سلاح الشرعية اللبنانية والسلاح الفلسطيني “الوقح” العام 1969، إنهالت الضغوط الخارجية وإستخدمت أوراق داخلية، فإنتهى الامر عند أول مواجهة جدية بين الطرفين بإرغام لبنان على توقيع “إتفاقية القاهرة” التي عبّدت الطريق لاحقا الى حرب 1975 وإنهيار الدولة وإنقسام الجيش في ظل ولاء بعض اللبنانيين للفلسطينيين على حساب وطنهم ومنع المساس بالسلاح الفلسطيني تحت ذرائع طائفية.
وها هو المشهد اليوم في الزمن “الداعشي” الذي حرّك عقاربه “اسد البراميل” يتكرر: الطيار الأردني معاذ الكساسبة أسير لدى تنظيم “داعش”، وعشرات العسكريين اللبنانيين من جيش وقوى أمن داخلي أسرى لدى “داعش” وأخواته.
في الاردن، دولة قبضت على الملف، وفي لبنان ضاع الملف وكاد يتشلع في ظل المزايدات على طاولة مجلس الوزراء وحسابات بعض الاطراف التي رفضت التفاوض في حين كانت تمعن به من تحت الطاولة حيث توصّل “حزب الله” الى إبرام صفقة أفضت الى تحرير مقاتله عماد عياد.
في لبنان، تكررت لعنة اللادولة، فيما كانت الخيارات في معالجة ملف العسكريين الاسرى واضحة كما إقترح الدكتور سمير جعجع: إما عملية عسكرية حازمة لتحريرهم مهما كان الثمن، وإما مفاوضات جدية لتحريرهم، وإما إجبار الفصيل اللبناني صاحب التمثيل النيابي والوزاري “حزب الله” على إعادة التموضع تحت سقف سياسة الدولة اللبنانية التي رفعت شعار “النأي بالنفس” وإغلاق الباب على ريح العنف الدموي المتسلل من سوريا إلينا.
في لبنان، ضياع ولا قرار لا بل لادولة، حيث أعدم الارهابيون ثلاثة عسكريين على التوالي، ولم تتبلور خارطة طريق لحل هذه الازمة ولم يجرؤ أحد على إتخاذ خيار من هذه الخيارات الثلاثة.
أما في الاردن، فما ان أعدم “داعش” الطيار الكساسبة حرقاً حتى أمر الملك عبد الله بن الحسين بإعدام الارهابية العراقية ساجدة الريشاوي ومواطنها زياد الكربولي المحكوم عليهما على خلفية قضايا إرهاب.
إنها لعبة عض أصابع بين منطق الدولة ومنطق الارهاب، فالى متى سيبقى لبنان أسير منطق اللادولة؟! الى متى يتبرع لبنان بجسده لينهشه “إرهابي” من هنا وجندي في جيش “الولي الفقيه” من هناك؟!
ماذا لو جاء الرد على إعدام اول عسكري لبناني عنينا به الشهيد علي السيد كالرد على إعدام الطيار الكساسبة، عبر إعدام جومانه حميد التي أوقفت وهي تقود سيارة مفخخة في 12 شباط 2014 في عرسال كما أعدمت ساجدة الريشاوي، والتي يطالب بها “دعاش” كما طلب بالريشاوي؟!
في الحقيقة، السرطان الذي ينخر لبنان ليس في “الفدائي” ولا في “الداعشي” ولا في “الحرس الثوري”، السرطان هو منطق اللادولة الذي ورثته جمهورية “الطائف” عن جمهورية 1943، فلا حياة لمن تنادي ولا حياة للدولة في لبنان…