
للشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لـ”حزب الله” أن يقول ما يشاء عن إيران ودورها وثورتها والدروس التي تعلّمها منها، فهذا شأن خاص به. ويرتبط في حالته بنمط تفكير ومسلك عيش وطريقة درس وتراكم معرفي.. مثلما هو الحال مثلاً مع منظِّر ماركسي، اعتبرّ في ذروة تجلياته أنّ الاشتراكية العملية هي الحل الأمثل لمشاكل البشر، أو مع ضليع متبحّر في “البعث” اعتبر في ذروة هيجانه القومي أنّ أفكار “الأستاذ” ميشال عفلق هي الخلاص بعينه، وأنّ الحل الأمثل لمشاكل العرب، البينية والخارجية، لا يكون إلاّ بالوحدة التامّة لأمّة مجموعة بالعِرق واللسان لكنها مفطورة على تأليه الذاتيات وتقدّيس الانتماءات العائلية والعشائرية والقبلية والمذهبية والطائفية.. وما فوق ذلك وتحته!
وللشيخ نعيم أن يذهب في قوله إلى آخر مدى ممكن. وأن يعتبر ويقرّر أنّ “الإسلام الأصيل” ما كان ممكناً له أن يأخذ طريقه الإحيائي لولا الثورة الخمينية.. وله بعد ذلك، أن يقول الشيء ونقيضه. أي أن يتحدّث عن “الصحوة” التي فجّرتها تلك الثورة، فيما واقع الحال لا يدلّل سوى على غفوة فتنوية لا سابق لها، وتكراراً: لا سابق لها، حتى في أيام الفتنة الأولى وزمن السلف الصالح!
المعضلة ليست في رأي الشيخ نعيم، ولا في طريقة تفكيره، ولا حتى في استنتاجاته! بل هي في افتراضه السعيد، أنّ رأيه الخاص ذاك هو مسلك عام. وأنّ إيران تحديداً، هي “الفرقة الناجية”! أو مثلما قال حرفياً “إنّ مَن حمل خياراً مواكباً” لها “يجد طريقه بسهولة إن شاء الله”. أي أنّه يقول بوضوح (يُشكر عليه!) إنّ كل مَن لم يحمل ذلك الخيار، مآله الخسران ولا شيء غير ذلك!
في تلك الخُلاصة زبدة البيان. و”عنوان” المرحلة. ولا يكتمل التوصيف (بطبيعة الحال) من دون تلك الفصاحة وذلك الوضوح: أصولية ضارية وضاربة في تقدّيس الذات وتألّيه الخاص، تواجه أصولية مضادّة تبزّها في البيان والأفعال. والاثنتان تستشفان عن بُعد، أصولية سبقتهما بسنوات وأنتجت دولة اسمها إسرائيل. وحاصل جمع تلك الأصوليات: منطقة تغلي بشعوبها. متآخية مع المقابر ومتآلفة مع العدم. وجلّ نتاجها، أنّ البشر الأحياء صاروا على تماس مع يوم الدينونة حتى وهم أحياء! وصار النصّ العقابي الموعود والمتوعّد، أساس عدّة العيش بعد أن كان (ولا يزال) وعداً حسابياً مؤجلاً وشرطه الموت!
يُشكر الشيخ (مجدّداً) على فصاحته ووضوحه، وعلى قوله الفصل خصوصاً، إنّ “إيران أثبتت حضورها في كل الساحات الاقليمية والدولية.. (وهي) نقطة ارتكاز للأمن القومي في المنطقة”. وذلك أمر لا يجادِل ولا يحاجِج فيه عاقل أو غاش أو بنص عقل! بل تكفي نظرة سريعة إلى “الأمن القومي” من اليمن إلى العراق إلى سوريا إلى مصر إلى ليبيا، إلى لبنان إلى البحرين إلى “داعش”، لتأكيد صحّة ذلك البيان وفصاحة ذلك القول!
.. تكفي الفتنة الكبرى لتتوّج زمن الانحطاط وتؤكد خلاصات الشيخ نعيم الإيرانية.. وهو في كل حال، شيخ الخلاصات!