#adsense

المادتان 24 و 64 “منحازتان” ضدّ “الصهر المعطّل”

حجم الخط

الدستور ينصّ على "التوزيع النسبي بين المناطق" ما يتعارض مع توزير الخاسر في منطقته على حساب الرابح
المادتان 24 و 64 "منحازتان" ضدّ "الصهر المعطّل"

لماذا يفترض "التيّار الوطنيّ الحرّ"، وخلفه طاقم 8 آذار بكامل عديده، أنّ وزارة الإتصالات تعود بالأصالة وبالحق الطبيعيّ للوزير الراسب في الإنتخابات جبران باسيل وليس للنائب أنطوان زهرا الذي فاز عليه؟
لنفترض أنّ "القوّات اللبنانيّة" رشحّت النائب زهرا لتولّي وزارة الإتصالات؟ ما تكون حجّة العماد ميشال عون حينها في تولية الصهر لا أحد سواه؟

ولنفرض في الأساس أنّه يجوز إعطاء مقعداً وزاريّاً جائزة ترضية لمرشّح خاسر في الإنتخابات النيابيّة، فما الذي ينبغي إعطاؤه بالمقابل للنائبين بطرس حرب وأنطوان زهرا؟ إذا أعتمد قياس قوامه العدل لوجب منح حقيبة سياديّة لكلّ منهما. لا يستوي الخاسر والرابح فكيف يجوز تفضيل الرابح على الخاسر؟

وبعد.. تردّد "قوى 8 آذار" أن توزير باسيل ليس فيه مخالفة للدستور ما دامت المادة 66 تنصّ على أنّه "لا يجوز تولي الوزارة الا لمن يكون حائزاً على الشروط التي تؤهله للنيابة"، وباسيل كان مؤهّلاً للنيابة بدليل خسارته لإستحقاقها الإنتخابيّ.
وتظنّ "قوى 8 آذار"، أنّ مجرّد عدم وجود مانع دستوري حاسم سيعطي باسيل حقّاً مكتسباً في توليّ المنصب الوزاريّ، وحقيبة الإتصالات بالتحديد، ولا يهمّ موقف رئيس الجمهوريّة، وفقاً للمادة 53، أو الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة أو الأكثريّة النيابيّة أو أهل الدائرة التي ترشّح فيها الوزير وخسر ثقة الشعب، وإنّما يعود الفضل إلى تكتل "التغيير والإصلاح" وحده ومن ورائه كتلة "الوفاء للمقاومة".

و"قوى 14 آذار" تكتفي بملاحظة العرف القائم منذ أيّام الإستقلال وإلى اليوم، وهذا بحدّ ذاته أمر جيّد لكنّه غير كاف. فالحقيقة أنّ الدستور اللبنانيّ يتعارض في ثنايا مواده مع إعادة توزير جبران باسيل أولاً، ومع تعطيل التأليف من خلال الإصرار على عقدته ثانياً.

لنأخذ مثلاً المادة 24 من الدستور، وهي التي تلحظ طريقة تقاسم السلطة "الى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي".
تنصّ هذه المادة على أن يتوزّع عدد أعضاء مجلس النواب، "بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين" ثم "نسبياً بين طوائف كل من الفئتين" ثم "نسبياً بين المناطق". وما يسري على مجلس النواب يسري كذلك الأمر على مجلس الوزراء. هذا هو المفهوم العام لـ"النسبية" في التوزيع حسب الطوائف كما حسب المناطق. بالتالي الدستور اللبنانيّ يعطي للتوزيع العادل بين المناطق أهمية تعادل التوزيع العادل بين الطوائف. والتوزيع العادل بين المناطق لا يستقيم عندما يفضّل المرشّح الخاسر في منطقة بعينها للتوزير على المرشّحين الفائزين، وخصوصاً إن كانوا من نفس الطائفة. "النسبية بين المناطق" تتنافى حكماً مع إعادة توزير باسيل إذاً، وتعطي أرجحية لتوزير من فاز عليه. "النسبية بين المناطق" تعيد أيضاً حقّ نوّاب "تكتل التغيير والإصلاح" المحرومين من الوزارة في جبيل وكسروان من الطموح إليها، تخفيفاً من إمتيازات من بات يوصف بـ"الصهر المعطّل".

ثم أنّ الدستور اللبنانيّ لا يجعل الحكومة، سواء كانت "إئتلافية" أو "أكثروية"، فندقاً سائباً يحجز فيه من يشاء غرفة أو جناحاً على هواه. فالمادة 64 في فقرتها الثانية توضح أن رئيس الوزراء "يجري الاستشارات النيابية لتشكيل الحكومة"، والإستشارات شيء والإملاءات والإشتراطات شيء آخر تماماً.

طبعاً، لا يحظّر الدستور توزير مرشّح رسب في الإنتخابات. لكنّ الدستور يحظّر إعطاء الأفضلية لهذا المرشّح في منطقته على من فاز فيها، خصوصاً وأنّ المادة 24 كما قلنا توجب مبدأ التوزيع النسبي بين المناطق، كما أنّ الدستور يسحب البساط من تحت من يفرض إملاءات على الرئيس المكلّف ورئيس البلاد. وفوق ذلك فإن من تراد إعادة توزيره هو وزير راسب وليس أي راسب كان. وزير خاض الإنتخابات بناء على سجّله في وزارته، وكانت النتيجة أنّه خسر في منطقته. أيّ أنّ توزيره يتعارض مع مبدأ المحاسبة الشعبيّة.. أي مع المبدأ المفترض أنّه مرجعيّ عند "المعارضة" من حيث هي معارضة.

الدستور اللبنانيّ "منحاز" ضد إعادة توزير جبران باسيل وليس "محايداً". وفي المقابل فإن "8 آذار" منحازة ضد الدستور، وليست بإزائه "محايدة". وهنا يكمن لبّ الموضوع: المعارضة الدستوريّة شيء، ومعارضة الدستور كدستور شيء آخر تماماً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل