
لم ينتظر المطران فرنسيس البيسري ان تدق ساعته حتى يقول الحق.
قاله من زمان.. قاله امام الملأ،، امام سيوف الظلم، امام الضمائر النائمة وفي أسواق النخاسة.
المطران الطيب ذو الطيف الجميل، نظر الى الاعلى، شعر بحريته، أراح ضميره، حين اغمض الآخرون عيونهم على الخوف او التغاضي.
هذا المطران كما يقول عنه كاهن في رعيته: “مش متل الباقيين.. هيدا مطران بيقرا وبيكتب”. صحيح، كان يقرأ في كتاب معلمه فقط، لذلك عرف الحقيقة التي كتمها او تجاهلها آخرون، وكتب ووثّق ما آمن به.
عندما كلفه الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير زيارة الدكتور سمير جعجع في معتقله، دورياً خلال احد عشر عاماً، لبس ثوب التواضع، استعار “جبة” الكاهن الاول، يسوع، ومضى الى رسالته.
ولا يدرك مشقات تلك الرسالة الا من عايشها… ترتيبات الدخول والخروج.. ساعات الانتظار… التدخل وقطع الكلام…
فعلها بحب وبشغف، حمل “جسد السيد” في العلبة المتواضعة وأعطاه للحكيم اكسيراً يجدد فيه الصلابة والايمان.
لم يكن الاعتراف مسموحاً، كان خطراً على الامة، لكنه قرأ أسرار الحكيم في عينيه، في ضمور الوجه ونحول الجسد. حفظ الاعتراف من دون ان يسمعه: “جريمتي يا سيدي، الوقوف في وجه العاصفة”.
ولا يكتفي بالرسالة هناك، في معتقل النظامين، بل كان بعد كل زيارة يقصد قلعة الانتظار في يسوع الملك، حيث كان القلب المتلهف ينتظر اي خبر من هناك، يأتي ليطمئن ستريدا والشباب عن حكيمهم، يزرع فيهم الأمل، ويؤكد لهم المؤكد: “هو معكم، فمن عليكم؟”.
سنوات، وقلبه، وساحات الديمان واروقتها مشرعة لشكاوينا ومظلوميتنا، كان الراعي الصالح، لرعية عاشت في وجدانه، قبل ان يولد ويعيش فيها.
فرنسيس ألبيسري، ابن قنات، في قضاء بشري، بقيت طفولته مرسومة على وجهه حتى آخر اللحظات، ولم تفارقه بسمته حتى في ذروة الألم، وحين دقت ساعته… كان مرتاح الضمير، نقي القلب، صافي الوجه، مرتاحاً… مرتاحاً كثيراً، فهو اعد لهذه الساعة، قبل ان تدق بكثير. هو قال الحق، قبل ان يواجه صاحب الحق… بكثير.