مؤتمر أنابوليس حدثٌ إقليمي استراتيجي
ومشاركة النظام السوري انضواءٌ في مبادرة السلام العربية
ومشاركة النظام السوري انضواءٌ في مبادرة السلام العربية
لبنان تحت سقف العملية السلمية الإقليمية “المُستأنفة”
نصير الأسعد
بعد أكثر من سبع سنوات، منذ قمّة جنيف العام 2000 بين الرئيسين الأميركي بيل كلينتون والسوري حافظ الأسد، وقمّة كمب ديفيد في العام نفسه بين كلينتون والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك، يشكّل إنعقاد مؤتمر أنابوليس اليوم استئنافاً للعملية السلمية الإقليمية “المتوقّفة”.
أنابوليس 2007 مدريد 1991
استئناف العملية السلمية في أنابوليس، حدثٌ إقليمي، تماماً كما كان إفتتاحها في مؤتمر مدريد عام 1991 حدثاً إقليمياً في حينه. وكما كان مؤتمر مدريد مفصلاً تمحورت حوله القضايا والعناوين في العقد الأخير من القرن الماضي، فإنّ مؤتمر أنابوليس يؤرخ لدخول المنطقة من جديد في مسار سلمي، بصرف النظر عن مدى “سرعة” النتائج أو عن إمكان تحقّق نتائج ملموسة أصلاً.
والمقصود قوله هنا واضح تماماً. فمع أنّ “عملية مدريد” بين 1991 و2000 لم تحقّق نتائج كاملة أو نتائج “باهرة”، ومع أنّها تزامنت مع “إنفجارات” عدّة على “المسار الفلسطيني” أساساً، إلا أنّ العملية السلمية شكلت سقفاً إستراتيجياً للمنطقة في تلك الحقبة، أي أنّ الصراعات والإنفجارات بقيت محكومة بالسقف الإستراتيجي للعملية السلمية. وبهذا المعنى فإنّ العملية السلمية التي يتجدّد إنطلاقها من أنابوليس اليوم ستشكّل سقفاً إستراتيجياً للمنطقة على مدى مرحلة من الزمن.. إن حصلت منذ لحظة إنطلاقتها المتجدّدة إلتزامات جديّة.
الفصل بين أزمة المنطقة وإيران
وإذا كان مؤتمر مدريد افتتح في العام 1991، في “رحاب” حرب الخليج الثانية أي حرب تحرير الكويت من الغزو العراقي، ومع نهاية “النظام الدولي القديم” ليشكّل “إستدراكاً” لتلك الحرب ومحاولة لـ”موازنتها” بسلام إقليمي شامل، فإنّ ما “يميّز” مؤتمر أنابوليس الحالي أنّه يأتي لتحقيق “الفصل” بين الصراع العربي ـ الإسرائيلي (والفلسطيني ـ الإسرائيلي أساساً) و”الحرب الدولية على الإرهاب”، و”الفصل” بين الصراع العربي ـ الإسرائيلي والمسألة النووية الإيرانية أي الأزمة الإيرانية ـ الدولية، ولـ”إسناد” مساعي الحلّ في العراق بحلّ إقليمي شامل.
المهمّ أنّ مؤتمر أنابوليس بآلياته ودينامياته يرسم سقفاً إستراتيجياً إقليمياً. المجتمع الدولي بكلّ أركانه يدعم هذا السقف. والنظام العربي يشارك على أساسه بما أنّه لا يجد فيه ما يناقض الإستراتيجية العربية الواردة في إعلان الرياض، وبما أنّ هذه الإستراتيجية أي مبادرة السلام العربية تشكّل أحد مكوّنات هذا السقف إلى جانب قرارات الشرعيّة الدولية.
النظام السوري: “القرار السياسي” و”التقويم السياسي”
حيال مؤتمر أنابوليس وما يمثّله من سقف إستراتيجي، أعطى النظام السوري مؤشرات، قد تبدو متناقضة في ظاهرها، لكنّها ليست كذلك بالفعل.
لقد وافق النظام في دمشق على المشاركة في أنابوليس على أساس مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية. وقرّر إيفاد نائب وزير الخارجية إلى المدينة الأميركية. لكنّه في الوقت نفسه أعلن إتفاقه مع إيران على أنّ مؤتمر أنابوليس محكوم مسبقاً بالفشل.
أن يكون المؤتمر محكوماً مسبقاً بالفشل لم يلغِ قرار المشاركة فيه تحت سقف مبادرة السلام العربية والقرارات الدولية. فالأهم هو “القرار السياسي” وليس “التقويم السياسي”. “القرار السياسي” هو الذي “يعتدّ” به. والحال أنّ نظام الأسد يشارك في مؤتمر يطلق في نهاية المطاف عملية فصل للمنطقة عن إيران. ويشارك في مؤتمر وضعته إيران في خانة إستهدافها، ولم تتوقّف عن مهاجمته، وتوالى على مساندة هجومها “حماس” و”حزب الله” ومقتدى الصدر. أمّا “التقويم السياسي” أي أنّ المؤتمر محكومٌ بالفشل، فهو تعبير عن رغبة في عدم القطع مع إيران، وعن تغطية “لفظيّة” لانتقال ترى فيه إيران خطراً على دورها الإقليمي.
إذاً، إنّ المشاركة السورية في أنابوليس تترجمُ خضوع نظام الأسد للضغط الدولي والعربي. وهي ليست أقلّ من إنضمام ـ ولو متأخر ـ إلى إعلان الرياض والإستراتيجية العربية.
لبنان ليس عمقاً إيرانياً
والآن، ماذا عن لبنان بالصلة مع مؤتمر أنابوليس؟.
لا شكّ أنّ النتيجة السياسية الأولى، هي أنّ لبنان المدعوّ إلى المشاركة والحاضر في المؤتمر، جزء من العملية السلمية الإقليمية المنطلقة من جديد.
بيد أنه لا شك أن النتيجة الثانية، الاستراتيجية، هي أن لبنان يدخل ـ أي ينتظم ـ تحت سقف هذه العملية السلمية الاقليمية التي تتجدد إنطلاقتها بإجماع عربي. وبهذا المعنى، يُفترض أن لبنان، في ظل الانضباط العربيّ بسقف العملية السلمية أي بالاستراتيجية العربيّة المقررة في قمة الرياض في نيسان الماضي، “لن يعود” مدى أو عمقاً إيرانياً.
نظام الأسد “يُعطي” و”يُعطي”
وبعد. ثمة في لبنان “هواجس” من مشاركة النظام السوري في أنابوليس. وهذه “الهواجس” ذات أصل “تاريخي”. ذلك أن نظام الأسد عندما “يُعطي” إقليمياً يأخذ “لبنانياً”. بمشاركة نظام حافظ الأسد في حرب تحرير الكويت “أخذ” تفويضاً دولياً ـ عربياً بلبنان. وبمشاركته في مؤتمر مدريد “أخذ” تأكيداً لذلك التفويض. فماذا عسى نظام بشار الأسد أن يكون “قبض” في لبنان لقاء الدخول الى أنابوليس؟
مِن نافل القول إن الزمن تحوّل. وفي قراءة لـ”التقاطعات” التي تأسست المشاركة السورية عليها، يتبيّن أن النظام السوريّ “أعطى” الآتي: الإنضمام الى الاستراتيجية العربيّة والإنخراط بالعملية السلمية الإقليمية وتحت سقفها، و”مسافة” عن إيران. وما “أعطاه” يمثّل الشروط التي وضعها المجتمع الدوليّ والنظام العربيّ. أما ما “يأخذه” فيتعلق بالجولان، وبقبول المجتمع الدوليّ العربيّ بـ”عودته” الدوليّة والعربيّة. بكلام آخر، ليس ثمة ما “يأخذه” في لبنان. هو “يعطي” في العراق وفي فلسطين وفي لبنان لـ”يأخذ”… في سوريا. وهذه هي المعادلة التي تحكم الآن العلاقة بين المجتمع الدوليّ والنظام العربيّ من جهة والنظام السوري من جهة أخرى.
لا صفقة مع النظام السوريّ على حساب لبنان
لا داعي للتخوّف من صفقة دولية ـ عربية معه على حساب لبنان. وما يجري معه على الصعيد الدوليّ ـ العربيّ هو بهدف تكريس إبعاده عن لبنان.. وفلسطين. ولن يكون الثمن لمشاركته في أنابوليس، لا تجديد عودته الى لبنان، ولا عودة نفوذه، ولا “حصة” في الحكم المقبل إبتداءً من الرئيس. فهي عملية “إستيعاب” لا تدور على أرض لبنان أو حول “مكتسبات لبنانية”.
نتائج أنابوليس لبنانياً في المدييَن المباشر والأبعد هي إذاً ثلاث: سقف العملية السلمية الإقليمية والإستراتيجية العربيّة، “تراجع” كون لبنان عمقاً إيرانياً أو “جبهة” إيرانية، وتأكيد إستقلال لبنان “عن” سوريا.
الاستحقاق في ظرف إقليمي “جديد”
هل في ذلك تفاؤل “مفرط”؟
حقيقة الأمر أن في المقدّمات الآنفة “توصيفاً” لوقائع ومعطيات. ومن الطبيعي أن يتبدّل التوصيف بتبدّل الوقائع والمعطيات.
ثم، ليس في السياسة في الغالب حدث عابر. وحدث بحجم تجديد إطلاق العملية السلمية الإقليمية، حتى لو كان “قدر” المنطقة أن تشهد إنفجارات في موازاته أو حروباً بعدَه، لا يمكن إلا أن “يطبع” المرحلة به.
.. ثم، على إفتراض أن النظام السوري يناور، مع أن المناورات في قضايا إستراتيجية أشبه بـ”فكّ رقبة”، فما الذي يدفع الى “التوجس”؟
فالنظام السوري قبل أنابوليس وبعدَه تحت المراقبة الدوليّة والعربيّة، بل تحت الضغط الدوليّ والعربيّ لتغيير سلوكه.
واستحقاقـ”نا” الرئاسي هو بين أن يكون في مناخ خضوع نظام الأسد للسقف الدوليّ والعربيّ، وبينَ أن يكونَ في إطار الدعم الدوليّ والعربيّ “ضدّه”.
غداً أو بعدَ غدٍ لناظره قريب.