
لم تكن تلك، الكنيسة التي دوت، انما نحن. دوّى الزمن فينا، كنا كثراً فأصبحنا واحداً هناك، مشلّعاً مدمراً تحت أقدام السيدة العذراء في كنيسة سيدة النجاة في جونية. في لحظة تحوّلنا الى طرائد حيّة تُوزع الجوائز على من يقتنص واحداً منا. 11 شهيداً ارتفعوا على مرأى القربان المقدّس، غالبيتهم أطفال، يا الله هل كانت العذراء لتقبل أن يذبح أطفالها تحت ناظريها؟ هل جسد الرب ينتظر ذبيحة أكبر بعد ليعلن دائماً وأبداً قيامته المجيدة؟
27 شباط 1994 اكتملت الرسالة، اكتمل المخطط الجهنمي، كان يوم أحد، وكان الاحتلال، وكان الجهاز الامني اللبناني-السوري، وكانوا اولئك اللبنانيين العملاء للنظام، “أحبّوه” أخلصوا له، باعوا كل شيء لاجله، الوطن والكرامة والانسان لأجل حفنة أموال ملوّثة، لوهم سلطة وهم العبيد، لكم كرسي وهم بلا مقاعد… وغرقوا في الذل واللعنة وما زالوا فيها.
دوّى الخبر ذاك الصباح، لم نصدّق، يا يسوع قُتل أطفالك تحت ناظريك عند قدميك، على عيون القربان المقدس وعبق البخور؟ قلنا هذا وهم، الخبر مغلوط، ليس في الكنيسة وليسوا أطفالاً، لم نكن نعرف ما المخطط الجهنمي، لم يكن ليخطر ببال انسان أن الشر قد يصل الى هذه الدرجة، أن يخطط لبناني لذبح مواطنيه ليرفع من “كرامة” المحتل ويسجّل هو لنفسه انتصاراً علينا! نحن؟ من نحن؟ من كنا؟ ما كنا نفعله؟
كنا ومنذ زمن نصلّي رتبتين، الاصح نكمل صلاتنا، الاولى على مذبح يسوع والثانية لبنان، كنا ما زلنا في قلب المقاومة، بالمستحيل نحاول أن نمسك بلبنان، أن ننشله من جهنم الاحتلال وناسه وعملائه، قرروا أن ممنوع على لبناني أن يقول لبنان، إنتهى لبنان، صار مزيجاً من شعبين في أرض واحدة، رئيس واحد للجميع وعلى الجميع الاذعان، لكن كان بعد ثمة عثرة موجعة، “القوات اللبنانية”، سمير جعجع، اذبحوهم… وفعلوا وانتصروا… لوهلة من زمن انتصروا بالتأكيد.
فجّروا الكنيسة بنا، بأطفالنا ومؤمنينا وقضيتنا، فجّروا يسوع في بيته وأرضه ومقدساته، هم الذين لم يؤمنوا يوماً لا بارض ولا بوطن ولا بكرامة الا من عظام الموتى وقبور العملاء، فجّروا الحقد تجاه “القوات اللبنانية”، أقنعوا العالم ان المجرم هو سمير جعجع وزمرته، حلّوا الحزب، وبفخر العالم صعد ميشال سماحة وأعلن بصوت يرتجف فرحاً “حلّ الجمعية المدعوة القوات اللبنانية” وأصبحنا الطرائد المفضّلة للنظام الامني، صرنا طبق وزارة الدفاع اليومي المفضّل، صراخ شبابنا صار الموسيقى العذبة التي يطرب لها جميل السيد وعدنان عضوم ومن يشبههم، ودخلنا جميعا جنب الى جنب الى زنزانة سمير جعجع، اُسر الوطن، صار بلا وطن، بلا حرية، بلا كرامة، صار صورة عن هؤلاء العبيد… لوهلة انتهى لبنان…
كنيسة “سيدة النجاة” صارت مذبح الشموع، طافت أرواح الشهداء عند أقدام العذراء، أسماؤهم تراقصت على نور الشعاع، صارت الكنيسة باحة حرية للشباب، يذهبون هناك يصلّون ويطلبون الحرية للأسير، والحقيقة لأجل يسوع والارض التي وطأها ذات ضياء. ودارت الايام دورتها، تحرّر الاسير، اُعلنت براءته من جريمة العصر، تحرر لبنان، دخل الارهابي ميشال سماحة عتمة السجن وحصل ما حصل، زملاء له ما زالوا أحراراً صحيح، لكن لعنات الناس والايام تلاحق ظلالهم، صاروا لا شيء، نكرة، رائحة كريهة تفوح بحضورهم، صاروا قمامة الوطن، رحل الاحتلال، انقلب السحر على الساحر، دوّت بلاده بالموت، كل يوم على مدار الثواني موت موت موت، أرضه محتلة بالغرباء والارهابيين، وهو، وهو يموت في اليوم الف مرة لانه يعرف أن نهايته دوّت ولا ينقص سوى الاعلان النهائي له ولمن يناصره ويعلن ولاءه المطلق له…
تمّت الرسالة، استشهدنا عند مذبح سيدة النجاة لنكمل نصّ الشهادة ولنتمم تحرير لبنان، استشهدوا ليقول لنا يسوع اننا ملح الارض، وان لا دواعش الامس ولا اليوم ولا الغد يمكن ان تبتلع هذه الارض مهما بلغ حجم الاجرام، وان هذه الارض المنذورة للقداسة، هي ارض لعنة ايضاً حين تمتد اليها خناجر الساقطين… المجد لك ربي، هكذا يقول شهداء كنيسة سيدة النجاة وأنا أسمعهم…
