#adsense

“سجون وساحات” – عماد واكيم: هندسة الفوز في زمن جميل السيّد

حجم الخط

 

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1421

 

من دون كثير ضجيج ساهم على طريقته في أن يبقى نبض القوات هادراً لا يهدأ، في زمن كانت “جريمة” أن ينتمي اللبناني الى تاريخ المقاومة اللبنانية، مقاومة نسي حينذاك كثر أو تناسوا أنها أسقطت أعداء لبنان في الداخل والخارج، وما زالت. عماد واكيم منسق منطقة بيروت في القوات اللبنانية اليوم، ناضل بالأمس كغيره من القياديين القواتيين في السر وفي العلن طيلة سنوات الإضطهاد. ومن موقعه كمهندس شاب، وبجهد مشترك مع الرفاق المهندسين في “القوات” تشكلت نواة مقاومة نقابية شعبية قلبت السحر على الساحر وأبقت “القوات” حيّة في ضمير اللبنانيين.

في هذه السطور يتذكر عماد واكيم أبرز المحطات عندما كانت الساحات مضمار نضاله طيلة 11 عامًا ليخرج الأبرياء من السجون وعلى رأسهم القائد الدكتور سمير جعجع.

 

“قبل أيام من اعتقاله، طلب منا الحكيم ألا نعود الى غدراس. كان خائفاً علينا من الاعتقالات التي بدأت تطال الشباب. أنا كنت في مكتب الحكيم مسؤولاً عن العلاقات مع الأقليات، وكان عملي سياسياً في تلك الحقبة.

 

إعتقاله كان كوقع الصاعقة علينا. بالرغم من أنه كان قد حضّرنا نفسياً، كان صعبا علينا أن نقبل الفكرة. جميعنا تمنينا عليه أن يسافر ويخرج من لبنان، إلا أننا كنا نعرف فلسفته في المقاومة والمواجهة وأنه لن يذهب، لن يهرب لأنه مناضل وهذه محطة من نضالاته. كما كان يعرف أن توقيفه سيخفّف الضغط على الشباب لأنهم كانوا يعتقلونهم ويعرّضونهم للتعذيب للضغط عليه”.

يضيف واكيم: “في الأشهر الأولى خضعنا كلنا للتحقيق والتوقيف، لكن من حظي أنا أنني كنت تعرفت بأحد الضباط في غدراس وباتت علاقتنا شخصية وعائلية، أرسل بطلبي عبر أحد الأصدقاء المشتركين وطمأنني أنه سيقفل ملفي، علمًا أنني لم أكن من الأشخاص المطلوبين، لكن كغيري من الملتزمين كان يجب أن أوقع ذاك التعهد بالإبتعاد عن السياسة، لكنني لم أوقع.

عدنا نتواصل مع بيت الحكيم في يسوع الملك من دون أن تفتح العيون علينا. بين عامي1997 و1998 بدأنا نتواصل مع المهندسين وبالتحديد مع المرحوم الشهيد رمزي عيراني والوزير السابق جو سركيس، فاجتمعنا بمكتب الأخير وبدأنا التنسيق لانتخابات المندوبين في نقابة المهندسين، وفزنا بمقاعد 12 مندوبًا من أصل 200. في عام 1999 إتخدنا القرار بترشيح واحد منا الى مجلس نقابة المهندسين. لم يكن يهمنا أن نربح بقدر ما  كان يهمنا أن نثبت أننا موجودون، فاختار الجميع ترشيحي. خضنا المعركة منفردين وتمكنا من إختراق المجلس، ومن ثم تحالفنا مع “المستقبل” والحزب الشيوعي وربحت أنا. كانت مفاجأة للجميع لا سيما الأجهزة الأمنية وبدأنا نتلقى التهديدات.

مارس (اللواء) جميل السيد أقصى الضغوط على النقيب سمير ضومط مرشح المستقبل وعلى مرشحي الحزب الشيوعي ليمتنعوا عن التحالف معنا. وفي المقابل أرسل لي تهديدًا يحذّرني من التحالف مع سمير ضومط. إلا أننا خذلناه وفزنا! في ذلك الوقت كانت جرأة من “تيار المستقبل” أن يتحالف مع “القوات اللبنانية”، وكانت مناسبة نحتاجها كقوات للخروج من العتمة الى الضوء ونكسر حاجز المنع من العمل السياسي.

وفقنا الله ودخلنا مجلس النقابة وتوليت مهمة أمانة سرّ نقابة المهندسين وبات عملي مع كل الفئات والأحزاب بما فيها “حزب الله” و “أمل” وهم يعرفون انني أنتمي الى “القوات اللبنانية”.

بدأنا مع المحامين والصيادلة والأطباء وكل النقابات والمهن الحرّة بتأسيس لوبي نقابي استثمرناه قبل أن يخرج الحكيم وبعد أن خرج الى الحرية.

نضالنا السلمي ومثابرة الشباب على الأرض أديًا الى تشكيل نواة من القواتيين في مختلف القطاعات، من الأطباء الى المحامين والمهندسين… وكنا نفاجأ بكثر من المؤيدين لخطنا السياسي المقاوم من دون أن ندري. خضنا معركة نقابة المهندسين تحت شعار أصدقاء عماد واكيم فيما كل الصحف كانت تسميني مرشح “القوات اللبنانية” الى أن وصلنا عام 2000 وبدأنا نرفع شارات القوات و”طق شلش الحيا معنا”. حتى أننا صمّمنا علمًا خاصًا لمهندسي “القوات”، وبدأ تحرّكنا يتسع في العلن من دون خوف من كل التهديدات التي كانت تحذرنا من العمل السياسي الحزبي، لكن موقعي كأمين سر النقابة منحنا حصانة وهامشًا من حرية التحرّك تعجز القوى الأمنية عن التدخل فيها لأن ذلك يعتبر تدخلًا بالعمل النقابي. ومذاك كان تحالفنا مع تيار “المستقبل”، وتحالف “حزب الله” كان مع العونيين، ما يؤكد أن التحالفات لم تكن وليدة التباينات السياسية التي تكشفت إبان إنتخابات عام 2005 وما سمي بالتحالف الرباعي”.

رغم سيف الأجهزة الأمنية المسلط على رؤوسهم زمن الوصاية السورية ورغم التهديدات التي تعدّت جرعات التخويف والتهويل ووصلت الى الاغتيال مع الشهيد رمزي عيراني أكملوا المسيرة. يروي واكيم ويضيف، “لم يكن هناك عمل سياسي في البلد كان هناك عملاء للنظام السوري ينفذّون مهمات ترسم لهم، لذا كان علينا أن نكمل النضال من أجل تحقيق نقطتين أساسيتين: إيجاد نواة قواتية صلبة في العمل النقابي داخل اتحاد النقابات الحرّة، والعمل على إخراج الدكتور سمير جعجع من السجن.

مررنا بكثير من الخلافات او الإختلافات في وجهات النظر داخل الصف القواتي، وكنت أردّد دومًا أن لا جدوى من كل ذلك ما دمنا غير قادرين على التغيير، وما دام السوري يدير البلد وحتى الأحزاب والتيارات التي كانت تملك كامل الحرية في التحرك كانت تنفّذ الأجندة السورية”.

 

 

 وماذا فعلتم عندما اغتيل الشهيد رمزي عيراني؟

سادت بيننا موجة من الغضب بالتأكيد، لكننا لم نخف أبدًا. جاءني أحدهم بعد نحو يومين من استشهاد رفيقنا رمزي يحذرني. قال: سمعت يا عماد أنهم كانوا محتارين بينك وبين رمزي ولثلاثة أسباب إختاروا رمزي، أولًا لأن رمزي يتحرّك على محورين أي مع الطلاب ومع المهندسين. والثاني لأنك أمين سرّ نقابة المهندسين ويمكن أن تثير ضجّة أكبر من حولك. والسبب الثالث لأن خطف رمزي أسهل من مكان عمله (أنا أركن سيارتي في حرم النقابة المضبوط بحرس خاص) لذلك راحت على رمزي وعليك أن تتنّبه أكثر وتخفّف من نشاطك القواتي المكشوف.

إستشهاد رمزي عزّز من عزيمتنا للنضال أكثر وأكثر وخضنا بعدها معارك نقابية حققّنا فيها إنتصارات أكبر. الظلم والقمع لا يخيف بل يحرّض المظلومين والمقموعين على الثورة على واقعهم، وهذا ما حصل بالضبط معنا.

في خلال الـ11 سنة لم تتواصلوا مع الحكيم؟

تواصلنا كان من خلال السيدة ستريدا، كان يعرف كل ما يجري ويرسل لنا التهنئة بعد كل معركة. فقد كنا نخوض معارك ضارية لا سيما في نقابة المهندسين التي تضم 40 الف مهندس، يصوّت منهم نحو 13 الف مهندس وهذا رقم ليس سهلاً أبدًا، خصوصًا أن كل الأحزاب الكبرى ممثلة في النقابة ولها ثقلها. ومع ذلك وصلنا.

وكيف تحضّرتم لخروج الحكيم؟

فرحتنا لدى خروج الحكيم لا يمكن أن توصف، لكن لسوء حظي يوم أقرّ موعد خروج الحكيم من السجن كنت في روسيا أمثل النقابة كرئيس للوفد اللبناني في مؤتمر دولي للمهندسين. ستريدا طلبت أن أكون مسؤولا عن تنظيم حفل الإستقبال لدى خروج الحكيم لكن عندما علِمت أنني خارج لبنان طلبت إبلاغي لأعود، إلا أننا كنا خلال عطلة نهاية الأسبوع وكان علي أن أطير من سان بيترسبورغ الى موسكو لأستقل الطائرة الى بيروت، وكانت الرحلة الأولى مساء الثلثاء بينما الحكيم كان قد خرج الى المطار وسافر الى أميركا. لكن الشباب المهندسين قاموا بالواجب وأكثر.

أما لقائي الأول به بعد إنتهاء كابوس الظلم فكان في الأرز مع وفد من 300 أو 350 مهندسًا. قال لنا: “يعطيكن العافية على كل ما فعلتموه”.

بعدها التقينا في جلسة طالت نحو 3 ساعات شرحت له كل  ما فاته من تفاصيل، واتفقنا على العمل في المرحلة الجديدة وطلب مني تأسيس قطاع العمال والنقابات. بعدها، وفي عام 2008 سمّاني لتمثيل القوات في الحكومة إلا أن التركيبة لم تتم بسبب الحصّص بين الطوائف. خضنا المعارك النيابية من 2005 الى 2009 ومن ثم تسلّمت مهمة الامانة العامة في الحزب بعد تشكيل النظام الداخلي، وكل ذلك لم يحل دون توقف نشاطي الحزبي في بيروت وإعلان الحزب ترشيحي عن المقعد الأرثوذكسي فيها في الإنتخابات النيابية المؤجّلة.

 

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل