#dfp #adsense

ملاحظات مواطن في احداث الاسبوع الاخير

حجم الخط

ملاحظات مواطن في احداث الاسبوع الاخير
المحامي جورج ابو صعب

لبنان اشهر من ان يعرف في غنى حياته السياسية بالتقلبات والانقلابات والمفاجأت على مسرح شؤونه العامة، فوليد جنبلاط لطالما كانت له قراءاته السياسية الخاصة التي لا نوافق احيانا على بعضها كتلك التي تمخضت من مواقفه الاخيرة في مؤتمر حزبه في "البوريفاج"(ويا لغريب الصدف). فما قاله قد قاله ولا تنفع محاولات الترقيع الاعلامي والسياسي لدى البعض من اصحاب النوايا الطيبة للتخفيف من وطأة تلك المواقف لان ما صدر عن وليد بك اكبر بكثير برأينا من مجرد بقائه او انسحابه من تحالف 14 اذار. لان ما قاله له ارتدادات على مستوى خارطة التحالفات الوطنية كافة وليس مقتصرا على 14 اذار، وهو يعيد النظر في سلسلة من الثوابت التي لطالما حمل وليد بك نفسه لواءها الى جانب حلفائه في 14 اذار واركان ثورة الارز.

فانطلاقا من هذه القناعة نبدي الاتي:

اولا : مما لا شك فيه الى ان مواقف النائب وليد جنبلاط الاخيرة – بحيث اراد او قصد او لم يرد او يقصد – قدمت خدمة كبيرة وهامة للاقلية التي وان حاولت في خطب اركانها ولا سيما مسؤولي حزب الله تجاهلها او تجاهل وقعها على الحياة السياسية في هذه الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد لجهة المساعي والعراقيل في وجه تأليف الحكومة – الا انها (اي الاقلية ) تضع مواقف جنبلاط في صلب محاولاتها اليوم عرقلة جهود رئيس الجمهورية والرئيس المكلف الذي اضعفه جنبلاط في مكان ما بسبب سوء توقيت مواقفه الاخيرة. لكن عندما نقول اضعافا فيجب ان لا يعني ذلك ان الرئيس المكلف سعد الحريري بات ضعيفا لانه وعلى الرغم من كافة التأويلات والتحليلات والتفسيرات التي نشطت بها بعض ابواق الاقلية السياسية والاعلامية لا يزال هذا الرجل زعيم اكثرية نيابية موصوفة افرزتها ارادة الشعب اللبناني في انتخابات 7 حزيران الماضي .

لكن مواقف النائب وليد جنبلاط الاخيرة جاءت وكأنها تعطي للاقلية جرعة اوكسجين سياسية بعد الهزيمة التاريخية التي منيت بها تلك الاقلية في الانتخابات – وهو كمن يعطي نوعا من التعويض المعنوي للاقلية في حسابات الربح والخسارة للتقليل من الربح واعادة بعض الاعتبار لتلك الخسارة.

ثانيا : ان النائب وليد جنبلاط كرس في الحياة السياسية لما بعد ثورة الارز التي تكللت نجاحاتها بالانتصار في 7 حزيران مصطلحا في مضمونه مشروع ولكنه في الحقيقة العملانية يخفي منحى خطيرا في الحياة السياسية اللبنانية – هذا المصطلح هو الخوف – فالخوف لدى الاقليات مفترض ان يكون انتهى في اتفاق الطائف الذي لطالما ينادي جنبلاط بتطبيقه في وقت الاقلية الحالية هي التي ترفض او تؤخر في تطبيقه. فبحجة الخوف (المشروع) يذهب وليد بك باتجاه من يعرقل ضمان ازالة الخوف – اي يعرقل تطبيق الطائف – وهو يعلم جيدا ان مسار 14 اذار في خطوطه العريضة هو الذي يحمل لواء تطبيق اتفاق الطائف وقيام الدولة القادرة والقوية والضامنة للجميع – الا اذا كان جنبلاط قد اختار الالتحاق بمعارضي الطائف والعودة الى سياسة التحالفات الثنائية والتقسيمية في البلاد الامر الذي نربأ بوليد بك جنبلاط السير فيه وهو ابن كمال جنبلاط مفكر الهوية اللبنانية.

فاتفاق الطائف هو الضامن وبالتالي من لا يريد اتفاق الطائف هو الذي هاجم الجبل في 8 ايار وهو الذي وضع كل اثقاله في اسقاطه حكومة السنيورة الاستقلالية منذ 2005 ومشروع 14 اذار الاستقلالي الميلوني حتى ما بعد فوز الاكثرية – فاهم ما في خطورة موقف جنبلاط مساهمته بحيث يدري او لا يدري – في اسقاط فوز مشروع الدولة والعبور اليها في 7 حزيران الماضي .

فالخوف ليس حكرا على الطائفة الدرزية الكريمة فحسب – فترانا لا نضطر لتذكير وليد بك بالخوف التاريخي للمسيحيين في لبنان الذي كان ينعته جنبلاط بالانعزال غير قادر على تفهمه في حينه – فغريب الصدفة اليوم ان يطالب وليد بك الحلفاء في 14 اذار بتفهم خوفه وهواجسه وخصوصيات طائفته ويبني على ذلك انعطافة انعزالية عن الاجماع الوطني الاستقلالي في 14 اذار وثورة الارز – فيما المسيحيون اليوم انخرطوا وينخرطون يوما بعد يوم في مشروع الدولة الجامعة والموحدة والضامنة للجميع .

ثالثا : قد نتفهم حساسية وليد بك التاريخية تجاه بعض القوى المسيحية وتحديدا تجاه حزب القوات اللبنانية وحزب الكتائب – خاصة خلال فترة تشكيل اللوائح الانتخابية وما بعد الفوز – في الجبل والشوف – الا اننا نذكر وليد بك بان مصالحة الجبل التاريخية ما كانت لتتم بمباركة وجهود غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير – لولا الانفتاح القواتي والكتائبي على هذه المصالحة والرغبة الصادقة لديهما في انهاء صفحات الحرب المؤلمة للجميع وذيولها المؤسفة للجميع – وبالتالي يجب على وليد بك الحريص على مصالحة الجبل ان ينتقل ذهنيا وسياسيا الى مرحلة متقدمة في القبول بالمسيحيين واحزابهم وشعبيتهم ومتطلبات وانعكاسات ذلك على تحالفاته السياسية والانتخابية – لان القوات اللبنانية بالتحديد مؤسسة وجدت لتبقى عامود من اعمدة حماية صيغة العيش المشترك والتعايش المسيحي – الدرزي في الجبل – والقوات كانت ولا تزال وستبقى خط الدفاع الاول عن الوجود المسيحي اللبناني الحر على مساحة الخريطة اللبنانية ولان حزب الكتائب حارس الاستقلال اللبناني الاول منذ عام 1943 كانت ويجب ان تبقى عنوان الوطن فوق الجميع وللجميع .

فوليد بك جنبلاط يعيدنا احيانا في مواقفه الى مراحل يظن المرء انه تجاوزها منذ المصالحة ومنذ اندلاع ثورة الارز .

رابعا : كما سبق لنا وذكرنا في مقالة سابقة ان اهمية مواقف النائب جنبلاط في شقها المعنوي التاريخي ان هذا الموقف اكد مرة جديدة تاريخية التفاهم المسيحي- الاسلامي حول قيام لبنان من خلال استحضار بشارة الخوري ورياض الصلح متمثلين اليوم خير تمثيل بالحلف الصلب بين مسيحيي 14 اذار وتيار المستقبل – فوحدها الوحدة المسيحية – الاسلامية قادرة على حمل مشروع لبنان الدولة والسير فيه مهما زادت الصعاب والعراقيل الداخلية والخارجية – دون ان يعني ذلك استبعاد اية طائفة او مذهب من مكونات المجتمع السياسي اللبناني – ولكن يبقى ان لبنان مجموعة اقليات لا تستطيع بناء دولة الا بتحالفها على بناء الدولة والا تبقى الدولة مجرد مشروع مع وقف التنفيذ .

فالتجارب التي مر بها لبنان واللبنانيون يجب ان توصل الجميع الى معادلة واحدة لا غير : وحدة اللبنانيين وحدها قادرة على بناء الدولة القوية وبالتالي لبناء الدولة يجب الاقلاع عن التفكير المجتزأ والتقوقعي والخروج الى المساحات التحالفية الواسعة والجامعة لا التحالفات التي تحيي احلافا رباعية وثلاثية وسداسية وخماسية وسواها – فاهمية دور الزعيمين التاريخيين بشارة الخوري ورياض الصلح انهما تمكنا من الانتقال من طور النظرة الى لبنان كبلد ائتلاف هش للطوائف الى لبنان بلد المواطنة اللبنانية – فليس بالتالي بخطوات تباعدية نستطيع الوصول الى تحقيق هذا الهدف السامي .

ولنكن اوضح : فبدلا من ان نخرج من تحالف وطني عريض يعمل على قيام الدولة القوية القادرة للانضمام او التقرب من تحالف لا يقيم وزنا للدولة ولا وزنا للدستور والسلطات بل يرى مصلحة لبنان العليا من عين خارجية بحتة – يجب بالعكس العمل على اخراج العدد الاكبر من القوى المناهضة لمشروع الدولة لجلبها وضمها الى مشروع الدولة والسيادة والاستقلال – فبهذا المعنى نجد للاسف ان الاستاذ وليد جنبلاط ينحو عكس التاريخ ومنطق الدولة – علما ان الوسطية لا تعني اللاموقف … والوسطية لا تعني الطعن بالتحالفات الوطنية … والوسطية لا تعني المسايرة والمغازلة على حساب الثوابت الوطنية واتفاق الطائف والعلاقات الديبلوماسية وسواها من ضوابط السيادة والاستقلال والحرية والكيانية النهائية للبنان .

خامسا : بالنسبة لقوى 14 اذار واركان ثورة الارز – نرى وانطلاقا من مواقف الاستاذ وليد جنبلاط ان هذا التحالف محكوم عليه بالاستمرار لنصرة القضية المحقة التي هي بناء الدولة القوية القادرة وتحقيق السيادة والاستقلال – ولكن ومن منطلق الحرص والتأييد – نرى ان هذا التحالف بحاجة وبسرعة الى عقد جلسات تقييم للمرحلة الماضية وما تم تحقيقه وما بقي ليتحقق كي يصاغ على ضوئه خطاب سياسي جديد انطلاقا من الوثائق الرسمية السياسية الموقعة من اركان 14 اذار سواء في البيال او البريستول – لا يغير في الثوابت بل يغير في لغة التعاطي مع المستجدات الاقليمية والدولية خاصة وان 14 اذار هي الاكثرية المفوضة من الشعب تفويضا كبيرا وفاعلا لقيادة الوطن الى الشاطئ الامين والعبور الى الدولة: ومن هنا نستغرب التاخير في انعقاد اجتماعات الاركان والتأخير في التفاعل الجماعي وليس الثنائي او الثلاثي مع التطورات والمواقف – فنرى ان قوى 14 اذار ملزمة باللقاء السريع والقريب للبحث في كل الملفات والمستجدات ولا سيما مواقف الاستاذ وليد جنبلاط لرسم خطة تحرك مشتركة توضح المواقف وتزيل الالتباسات والاقاويل والشائعات التي تصب كلها في خانة ضرب 14 اذار لاضعافها تمهيدا للاستفراد بالقوى واحدة تلوى الاخرى مستفيدين من الشهية التي عادت الى بعض رموز نظام الوصاية في لبنان التي تدغدغ مواقف النائب جنبلاط بعضا من احلامهم السابقة القديمة الجديدة – متناسين بان الغرب لم يهرول لاعادة تطبيع علاقاته مع سوريا الا في مقابل اثمان سدد النظام السوري جزءا منها وما زال الغرب ينتظر منه تسديد الباقي ليبنى على الشيء مقتضاه – ومتناسين بان عقارب الساعة لن تعود الى الوراء وان القوات اللبنانية تحديدا ستبقى الرقم الصعب الذي لا يمكن اسقاطه او عزله او استفراده لانها باتت في صلب الضمير الوطني بعد ان كانت فقط في صلب الضمير المسيحي .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل