
من يقرأ التاريخ اليوم يفهم الحاضر ويستشرف المستقبل. لكلّ منطقة جغرافيّة في إطار سياسي أي بوليتيكيًّا مركز للقرار، ومركز القرار في الشرق الأوسط اليوم بات بغداد “عاصمة الإمبراطوريّة الفارسيّة” الجديدة، بحسب التصريحات الأخيرة لمسؤوليين إيرانيّين. ماذا تنفع كلّ هذه العقوبات المفروضة على إيران في ظلّ هذا التّوسّع الإقليميّ؟ هل باتت بلا نفع بعدما كسرت إيران حدودها، وباتت من المتوسّط إلى الخليج؟ هل لهذه الأسباب قرّر أوباما التّفاوض مع إيران؟ وهل بتنا في زمن تشيُّع المنطقة برمّتها؟
القراءة البراغماتيّة لسياسة الشرق الأوسط لا تخفي على أحد أطماع إيران التوسّعيّة التي بدأت تتضّح بإنشاء ألوية عسكريّة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بعسكرها من الحرس الثوري إلى مليشياتها في العراق والحوثيين في اليمن والميليشيات البحرينيّة وحزب الله في لبنان والباسيج في سوريا وحتّى حركة حماس في غزّة. عندما أقفل الغرب حدود إيران ما كان منها الا وأن كسرت هذه الحدود، لتخرج إلى المنطقة ناهلة منها حاجاتها لإسكات شعبها الذي كان جائعًا قبل اليوم. من هذا المنطلق، باتت المفاوض الأقوى الذي سيستثمر كلّ هذه الأوراق ليفرض نفسه على الساحة الشرق- أوسطيّة مكوّنًا نوويًّا ومكوّنًا جيوبوليتيكيًّا يؤثّر في سياسة كلّ دول المنطقة. وعلى سبيل المثال لا الحصر، إنّ ملف رئاسة الجمهوريّة في لبنان ما هو الا النموذج الواضح في هذا السياق، حيث يسيطر جناح إيران في لبنان على هذا الملف ولن يحرّره الا في حالتين:
-في حال تمّ تطويق الجناح الايراني في لبنان، وهذا صعب جدًّا ولكن ليس مستحيلاً متى اعترف كلّ اللبنانيين بلبنانيّتهم قبل انتمائهم لأيّ مكوّن سياسي أو حزب أو حتّى طائفي، لا سيّما المسيحيّين منهم.
-في حال سقوط المعسكر الايراني في عقر داره. وهذا صعب أيضاً ولكنّه ليس مستحيلاً لأنّ مسار المفاوضات الأميريكو- إيرانيّة هو الذي يحدد هذا الاحتمال.
وتجدر الاشارة إلى أنّ المنحى الأخير السائد في الأوساط السياسيّة للولايات المتّحدة الأميركيّة يبدي معارضة كبيرة من الجمهوريّين ضدّ سياسة أوباما الخارجيّة، وهذا ما يرجّح كفّة الحلّ الجذري بالنّسبة الى الملف النووي الايراني، قد يكون بعمل عسكريّ أو بضربة من داخل إيران لاحت معالمها في الأفق أكثر من مرّة الا أنّ النظام الإيراني الصلب قمعها، كمثيله من الأنظمة القمعيّة التي آلت إلى السّقوط.
وفي هذه الحالة يبرز رأي سائد في دوائر الخارجيّات الغربيّة، بأنّ تخويف الدّول العربيّة التي تضاهي باقتصادها النّفطي اليوم أكثر الدّول تقدّماً ورقيّاً، لن يردعها سوى وجود مارد طائفيّ ممّا سيجبرها على استجداء حماية الغرب لها، وبالتّالي وجود نفوذ غربي في مكامن الثروات النّفطيّة ممّا سيضفي مزيدًا من تحكّم الغرب لسياسات هذه الدّول المنضويّة تحت لواء دول مجلس التعاون الخليجيّ. وما ستبرّره إيران بالاضافة الى تكوينها لأنسجة عسكريّة تحرّك بواسطتها الأرضيّة، سعيها إلى إنشاء مجلس تعاون فارسيّ تحصر فيه الدّول التي ستدور بفلكها تواجه بواسطته اقتصاديًّا دول التعاون الخليجيّ وتتفلّت كليًّا من كلّ انواع الحصارات المفروضة عليها.
أمّا بعد … فماذا بعد؟ هل ستكون المرحلة المقبلة مرحلة تشيُّع المنطقة من خلال نشر العقيدة الخمينيّة الاسلاميّة التي سبق لها وانطلقت رديفة للأجنحة العسكريّة في الدّول؟ بالطبع لنا فتصدير الثورة الخميني، نجح بتصدير مجموعات في بعض الدول ولكنه بعد اكثر من ثلاثين عاماً لم ينجح بإقامة أي نظام على النمط الايراني، والايد الا خطر على لبنان فهو رديف للتعددية.