«انتهى قهر عمره سنوات وربحنا البلد« هكذا يختصر الناشط السياسي فاروق يعقوب نهار الرابع عشر من آذار 2005. فاروق الذي كان يمضي أيامه ولياليه في مخيم الحرية الذي نصبه شباب المعارضة في ذلك الوقت إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم يستوعب الأعداد الكبيرة التي شاركت في هذا النهار التاريخي رغم أنهم كفريق سياسي معارض للحكومة آنذاك وللوجود السوري في لبنان كانوا يتوقعون أن يكون هناك ردٌّ من اللبنانيين على تظاهرة الثامن من آذار التي اعتبرت الأكبر في تاريخ لبنان الحديث والتي حملت شعار «شكراً سوريا الأسد»، لكن مشاركة اللبنانيين في يوم الرابع عشر من آذار فاقت كل التوقعات.
بكثير من الحب يستذكر فاروق التحضيرات ليوم الرابع عشر من آذار من الشعارات التي سجلها بصوته الى تقسيم مجموعات لتنظيم وصول المشاركين وصولاً الى الكلمات التي ألقيت، ويقول لـ»المستقبل»: «لم نتوقع هذا الحشد كنا اعتدنا على مشاركة اللبنانيين معنا في المسيرات التي نظمناها كل اثنين بعد اغتيال الحريري لكن هذا الحشد كان مخيفا«. ويضيف أن «الناشطين الذين نظموا هذه التظاهرة والذين كانوا يقضون أيامهم في ساحة الحرية لم يفهموا ما حصل في ذلك اليوم إلا مساء عند مشاهدة نشرات الأخبار التلفزيونية، كنا نسأل الناس عن الحشد ويقولون لنا في ناس بعدا علقانة على عين المريسة والناس وحشود تأتي من جهة الـ» mtc« (إم تي سي) لكننا أدركنا حجم التظاهرة مساء«.
ويذكر المحامي فادي سعد، والذي كان وقتها نائب رئيس «شباب المستقبل» الطقس الربيعي في ذلك اليوم، ويوضح لـ»المستقبل»: «كانت الشمس مشرقة والسما زرقاء وبيروت كلها أعلام لبنانية«. ويتابع: «التحضيرات للرابع عشر من آذار كانت في سياق التظاهرات التي كانت المعارضة تنظمها كل يوم اثنين وكنا نظمنا تظاهرة جيدة نسبياً في السابع من آذار لكن القوى المؤيدة لسوريا نظمت تظاهرة اعتبرت الأكبر في وقتها لشكر سوريا الأسد«.
ويتحدث سعد عن التحضيرات الميدانية للتظاهرة وعن الاتصالات الهاتفية التي وصلتهم عن تحضيرات المناطق اللبنانية للمشاركة: «لم نتوقع أن نرى هذا المشهد. كان المشهد أكبر من أن يوصف أو يُصدق، أعلام لبنانية في كل مكان. عند الساعة الثالثة حاولنا الخروج من قلب الساحة لكن الناس كانوا يتقاذفوننا كالأمواج، لم نستطع الخروج من الساحة».
ويؤكد أن «اللبنانيين يومها تحدوا تظاهرة شكراً سوريا الأسد»، فيما يشدد الناشط يعقوب على أن «الناس نزلت الى ساحة الحرية لأنها مقهورة»، ويضيف «في ذلك اليوم شعرنا أننا ربحنا ومش فارقة معنا شي والعالم معنا. يومها رأينا مواطنين أكثر مما تخيّلنا أن نرى في مكان واحد، طيلة حياتنا… من كل الطوائف والمناطق«.
«أعداد لم نعتد أن نراها في بيروت«، يقول الصحافي محمد بركات، الذي كان من شباب مخيم الحرية، ممن شكّلوا دينامو الحركة السياسية للمعارضة في وقتها، ولما عُرف لاحقاً بقوى الرابع عشر من آذار، ويؤكد لـ»المستقبل»: «كانت في رؤوسنا سيناريوهات كثيرة لذلك النهار، إلا السيناريو الذي حصل. لم نتوقع هذا الحشد، خصوصاً أنّنا شعرنا بهزيمة بعد تظاهرة الثامن من آذار، وكان كل مشارك ومشاركة في يوم الرابع عشر من آذار مشروع انتحاري أو انتحارية. فضغط النظام السوري كان كبيراً بالإضافة إلى ضغط حزب الله وتهديدات الرئيس السابق إميل لحود بأن يفتعل رذيل ما خضّة أمنية تقتل من المشاركين. كلّ هذه العوامل جعلتنا لا نتوقع مشاركة كبيرة».
ويختم بركات، الذي كان صحافياً في جريدة «البلد« يومها، ويعمل اليوم في أكثر من موقع إلكتروني: «بعد الظهر غادر الجميع وعدنا إلى منازلنا ومن نشرات الأخبار اكتشفنا كم كنّا كثيرين. واستغرق الأمر أياماً وأسابيع حتّى يستوعب العالم والكوكب والدول الإقليمية والطبقة السياسية اللبنانية وقوى المعارضة التي صارت قوى 14 آذار لاحقاً، وبالطبع نحن، كي نكتشف كم كان ذلك اليوم تأسيسياً في حياتنا وفي مستقبلنا ومستقبل لبنان وفي المشهد المحلي والإقليمي«.