#adsense

حكاية “شيخ الجبل” من البداية للنهاية: عاشق إبنة رفعت وكيف ابتكر مصطلح “الشبيحة”؟

حجم الخط

 

كتب إياد عيسى في “اورينت”: لم يبقَ من “شيخ الجبل” إلا ورقة نعي، تُعلن نهاية واحد من أشرس “زعماء الشبيحة”، إن لم يكن أشرسهم على “الإطلاق”.

ما يُحسب لمحمد توفيق الأسد “47” عاماً، ابن أخ حافظ الأسد غير الشقيق، انه أزاح “فواز الأسد” ابن جميل، شقيق حافظ، عن عرش التشبيح، واجهه لأجله، ثم نافسه عليه. وصولاً إلى اندلاع مواجهة مسلحة ما بين عناصر “أبناء العم” الألداء، اسُتخدمت فيها الأسلحة المتوسطة، في محاولة لحسم السيطرة على سكك التهريب ما بين”لبنان – سوريا”، خصوصاً “الساحل السوري – حلب” الُمزدهرة آنذاك، حيث شملت كل شيء تقريباً، أهمها السجائر الأجنبية، الأسمنت، مختلف مواد البناء، باستثناء السلاح. إذ كانت المُتاجرة به “عكس ما يُشاع”، من المُحرمات الأمنية، في عرف حافظ الأسد، صاحب الضوء الأخضر لإطلاق ما يشبه “الميلشيا العلوية” شبه العسكرية، غير المُرخصة نظامياً، بنية تعزيز إرهابه للمجتمع السوري.

“شيخ الجبل” .. مُلهم مصطلح “الشبيحة”!

أشهر “محمد” تحديه الشخصي “لفواز”، خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي ، حين أطلق على نفسه لقب “شيخ الجبل”، في تسمية تجمع “روحية أولياء الطائفة مع البأس الشخصي”، بل يمكن القول أن مصطلح “الشبيحة”، ارتبط بصعود نجم “شيخ الجبل”، الذي اختار لنفسه موكباً مؤلفاً، من سيارات مرسيدس “اس 500” المُهربة سوداء اللون، المُسماة شعبياً “بالشبح”، سواء في مرافقة شاحنات التهريب، أو في تحركاته الشخصية. فيما حرص “أزلامه” على الظهور حليقي الرؤوس، مُطلقي اللحى، بالزي الأسود الكامل.

“المراهق” محمد الأسد .. مشوار الدم!

لما، ذاع صيت “شيخ الجبل” في دمشق. عبر تدوال حكاية لافتات، أقرب للوائح الدلالة الصغيرة تحمل “اللقب”، انتشرت ببعض المسالك الجبلية في الساحل. لم يخطر ببالي حينذاك، أن “الشيخ”، ما هو إلا محمد الأسد ذاته، أحد الأصدقاء العابرين بمرحلة الدراسة الثانوية.
في تلك السنوات، انتقل محمد من القرداحة إلى دمشق، للدراسة في الثانوية الصناعية بمنطقة المزة، حاملاً معه “لوغو” العائلة “المالكة”، ما جعله محط الأنظار في بيئة سكنية، تعج بأبناء “النخبة” من عسكر السياسة.

مارس محمد، فوقيته على هؤلاء، أبقى مسافة في العلاقات معهم، مُفضلاً اختيار أصدقاء من خارج الدائرة السلطوية. عدا عن وسامة شخصية “أسمر. عينان ملونتان. كاريزما، عززها الانتماء الأسري”، يُفضل امتطاء دارجة نارية “ريكس جبلي”، على ركوب السيارات الفارهة. مزايا اثارت مُجتمعة، اهتمام “جميلات المدارس المُراهقات”.

سكن “الطالب محمد” في منزل شقيقه الملازم أول آنئذ، زهير الأسد “عميد ركن” حالياً، بضاحية مخصصة لضباط سرايا دفاع “لاحقاً الفرقة الرابعة، الواقعة على يمين نهاية اوتوستراد المزة، بداية طرق لبنان.

هذ الشقة، قضى فيها أقرب أصدقاء محمد، الشاب “غ . ز”، بطلقة في رأسه، بحادثة مُفجعة، لا شهود عيان عليها، سوى ابن الأسد نفسه، الذي حاول اسعاف صديقه إلى المشفى، دون جدوى.
رسمياً، اعتمدت التحقيقات رواية محمد القائلة بإطلاق “غ . ز” النار على نفسه بالغلط، أثناء العبث بمسدس. بينما تبادل أصدقاء الضحية، كما أشقاؤه همساً، رواية مفادها، أن الرصاصة خرجت بالخطأ من مسدس محمد.

اعُتبرت الحادثة “قضاءً وقدراً”، لكنها تركت أثاراً على علاقة محمد بمحيطه في دمشق، جعلته أكثر حذراً في التواصل مع الأشخاص.
كذلك، سرعت بقرار عودته إلى اللاذقية.

“شيخ الجبل” .. أول الرقص!

حمل “محمد” معه، رغبة بعض “خاصته” بالتقدم إلى امتحانات الشهادة الثانوية في “ضيافته”، بمدارس محافظة اللاذقية، التي طارت فضائح “فوضى” الامتحانات فيها، وإدخال الأجوبة لقاعاتها، إلى جهات سوريا الأربع، وقتها.

بالفعل، حصل أولئك بمعية “ابن الأسد” على شهادات ثانوية “بعضها عام”. غير أنهم، لم يتحمسوا لفكرة انضمامهم للعمل معه بالتهريب، في فترة لاحقة. كانوا محقين باعتقادهم، أن “شيخ الجبل” يبحث عن “مريدين” تابعين، لا أصدقاء أو شركاء.

تخلى محمد عن الإقامة في العاصمة نهائياً، لم يلتحق به أحد، باستثناء “سائق شخصي”، من أبناء المزة، الذين تابعوا أخبار “لا تُصدق” عن ” صولات وجولات” “ابن حارتهم” السابق.
لم تكن “دمشق” مثل الساحل، مُشرعة الأبواب أمام ” بزنس التشبيح” العلني، لزوم “الهيبة” على ما يبدو، كونها مقراً “للشبيح الأول”. بيد أن “محمد” لا يستطيع التخلي عن زيارة المدينة، بشكل متقطع. ليست لأنها العاصمة فقط. إنما لأن عنوان إقامة حبيبته وقتئذ هو (دمشق – مزة اتوستراد – موقف الإسكان – فيلا رفعت الأسد).

عاشق ومعشوقة .. رفعت الأسد بينهما!

كان “شيخ الجبل”، عاشقاً مُتيماً بابنة عمه “شذا رفعت الأسد”، قائد سرايا الدفاع، المُجمد بمنصب نائب رئيس الجمهورية للشؤون الأمن القومي حينها. لذا فضل “محمد” إشادة مخالفة بناء، كمقر لإقامته المُتقطعة، في حديقة منزل خالته المُتزوجة من آل “يونس”، الكائن في “المزة جبل” موقف الفتح، مقابل بلدية المزة، وقسم شرطتها تماماً.

ليس معروفاً، ما إذا كانت شذا، بادلت ابن عمها “شيخ الجبل” حباً بحب، أم كان حبه لها من طرف واحد، لكن المؤكد أن ولاءه الشخصي، كان لأبيها رفعت أساساً، على خطى شقيقه الضابط زهير، الذي التحق لسنوات طويلة، بقائده في “منافيه” الأوروبية.

عموماً، كان الاعتقاد السائد، أن الزواج بين محمد وشذا مستحيل، لا بسبب مخاطر القرابة على النسل، بل بسبب نظرة “القائد” المُستعلية، حتى على أبناء العائلة، طالما هم مجرد خدم مأمورين في حضرته، أو شبيحة بخدمته.

من المُستغرب، أن ولاء محمد المُعلن لرفعت، وعشقه لشذا. لم يمنحاه “شرف” تكليفها له، بمهمة توزيع أبيات شعر لها، وزعت على شكل منشور في كلية الحقوق، والمدينة الجامعية بدمشق. تُهاجم فيه نظام عمها “الديكتاتوري”، في وقت، أوكلت العملية إلى “عشيق آخر”، أمضى نحو عام برفقة مجموعة من أصدقائه، في أقبية المخابرات الجوية، رغم قرابة “مُصاهرة” تربطه بعائلة الأسد. إثر إفشاء أحد المتورطين، لأسماء المشاركين معه، بتوزيع “القصيدة – المنشور”.

بقي غرام “محمد – شذا” خارج التداول الشعبي، لم يُكلل بالزواج، حيث ارتبط كل منهما بزوج آخر، وبينما توارت الفتاة، خلف الأحداث المُتلاحقة، استمر “شيخ الجبل” بحصد المزيد من الشهرة، والأموال.

“الشبيح العادل”!

“انتزع” شيخ الجبل، زعامة “التشبيح”، من غريمه المؤسس “فواز الأسد”. احتكرا المنافسة وسط جيلهما من قتلة “آل الأسد” خطفاً، اغتصاباً، قتلاً. تفوقت سلطات كل منهما، على الجهات الأمنية والمدنية مُجتمعة، في محافظتي اللاذقية وطرطوس.

الحقيقة، أن زعماء “الشبيحة” كانوا عادلين في توزيع جرائمهم، على العلويين، السنة، والمسيحيين في الساحل. خارج المحسوبيات الطائفية، أو المذهبية. دون أن يعني، أن تلك المساواة في الظلم، هي من فرضت “أخلاقياً”على “حافظ الأسد” معالجة أوضاع “الشبيحة”.
ما حصل، أن مهمة هؤلاء انتهت، أو عُلقت، كفصيل أمني قمعي رديف للأجهزة “النظامية”، بعد حسم الصراع مع الإخوان المسلمين، واستكمال اجتثاث المجتمع المدني، وتهجين النقابات أمنياً وبعثياً. بالتالي لا بأس من استخدامهم، لصالح تهيئة “باسل الأسد”، وتلميع صورته، إذ صدرت أوامر الأب، لوريثه المأمول، بتولي طي الملف شخصياً.

شبيحة برتبة رجال أعمال

توجه الرائد باسل، إلى معقل الشبيحة في اللاذقية، على رأس قوة من الحرس الجمهوري. مُتعمداً تنفيذ المهمة بشكل استعراضي، حيث اعتقل صغار الشبيحة، الذين لا يتمتعون بحصانة كنية “الأسد” من الشوارع، وقذف رجاله بكل متردد في تفيذ التعليمات، بصناديق سيارات الحماية.

تلا الحملة، اجتماعاً لأمراء “الشبيحة” الأسديين، تلقوا خلاله، التعليمات العليا، بضرورة انكفاء ظاهرتهم إلى الظل.

تحول “محمد الأسد”، بفعل التوجيهات الجديدة، من “معلم” إلى أستاذ. ومن زعيم “مافيا”، إلى رجل أعمال. ومن التهريب، إلى السمسرة والوساطات.

استبدل “سكنه” المتواضع جداً، الذي زرته مرة وحيدة في القرداحة أيام “الثانوية”، بفلل ومنازل وشاليهات، كما حلت المكاتب، ومقار الشركات بدلاً من أوكار “التشبيح، والتهريب”. احدها وسط دمشق، حي ساروجا، مواجه مبنى المحافظة، حيث يتخذ “المحامي علي الأسد” شقيق محمد، من المكان مقراً لنشاطاته “التجارية”.

موت عابر

لم تجمعني المصادفات “بشيخ الجبل، لكنها فعلت مع “الأستاذ “محمد”، قبل نحو سنتين من اندلاع الثورة، في أحد مطاعم “طرطوس”، كان يومها، أشبه برب أسرة، مُصطحباً زوجته وابنه، برفقة سيدات ورجال. يجلس بهدوء إلى طاولته “على البيست”، يحظى باهتمام لافت خاص، خالٍ من “البروباغندا” التي يفترضها لقبه الأبدي” شيخ الجبل”. صافحني بابتسامة ود عريضة، تبادلنا عبارات المجاملة العابرة، تماماً كعلاقتنا.

طبيعي، أن لا أحزن لخبر مقتله، لكن الغريب أن لا تحرض الواقعة فضولي الصحفي، لمعرفة كيفية السقوط، في معارك دورين أم اغتيالاً في مسقط رأسه؟! … ما يهمني أن موته، لم يكن شائعة شبيهة، بتلك التي راجت عام 2012، بشأن مقتله في مواجهة، مع عائلات عريقة من القرداحة، على خلفية المواقف المُتناقضة من ثورة الشعب على “الوريث”.

المصدر:
Orient News

خبر عاجل