
كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1423:
ما أن تراه تلمح جبال الحزن في عينيه الغائرة. ما أن تسمعه تدرك أنه مات 90 مرة وقام خلال 90 يوماً من الإعتقال في سجن وزارة الدفاع.
لا يحقد، لكن الأضرار الباقية على جسده تأبى أن تبارحه لينسى قسوة “البلانكو” وإجرام “بساط الريح” وذلّ “تطيير الحمام”… في سجون العالم العربي قد تجدون أمثلة مشابهة لأساليب التعذيب هذه…
تجربة كان المطلوب أن تدمرّه، أن تروّضه ليكون كبش محرقة تفجير كنيسة “سيدة النجاة” إلا أن إيمانه قوّاه وبات الضحية الأقوى من الجلّاد.
إسألوا عن جهاد سليمان وستعرفون أنه مناضل من مناضلي “القوات اللبنانية” الكثر الذين دخلوا الى الطابق الثالث تحت الأرض في وزارة الدفاع في عهد الوصاية السورية، دخلوا مفقودين وخرجوا مولودين غصبًا عن السجّان، المعلّم الكبير كما كانوا ينادون اللواء جميل السيد.
بعدها ترك 90 يومَ تعذيبِ من عمره خلفه ورحل الى بريطانيا لاجئًا سياسيًا يقاوم الجلاد من هناك، رحل جهاد وحيدًا وعاد مع 4 جهاد كما يقول أي مع زوجة تحبه و3 أولاد.
.jpg)
يقول جهاد: “كنت مسؤولًا في موقع غدراس عندما تم اعتقالي ونقلت من موقع الى آخر حتى وصلت الى سجن وزارة الدفاع. جرمي الوحيد كان الإنتماء الى “القوات اللبنانية”.
واجهت جواً من الانتقام والضرب للضرب من دون أي تهمة. تركيزهم في بدء التحقيق كان على حرب الإلغاء والسلاح. وأين الألغام والسلاح و”كيف بدكن تتصدّوا للجيش في موقع غدراس؟”، بينما كانت التعليمات واضحة من الحكيم أن أي شرطي بلدي يمكن أن يفعل ما يريد في المقر ومحيطه وليس لدينا صلاحية أن نرد عليه.
“القوى الأمنية التي تحرس غدراس هي مولجة بحماية الدكتور جعجع”، هذا الكلام لم يكن يعجبهم فيعودون الى نغمة السلاح والالغام. كان المطلوب ان يقرّ كل منا نحن المعتقلين بما يريدون هم.
عندما إنتهوا من “موال” الأسلحة التي ضخموا حجمها أضعافًأ بدأوا بقصة ساعات التفجير في مخزن دير الراهبات قرب مقر غدراس. والسؤال يتكرّر “هودي هني ذاتن اللي فجرتو فين كنيسة سيدة النجاة؟”.
كان التحقيق يبدأ بفبركة قصة ويقولون لك “قعود مع حالك فكّر 5 دقايق” بعد إنقضاء الدقائق يبدأ التعذيب “فلقة. بلانكو. بساط الريح..” طرق التعذيب التي اعتمدت في المعسكرات الشرقية كلها “بيضلو يعذبو المعتقل حتى يصير مطواع وبيرجعوا بيسألوه مثلا: ساعات التفجير لمين عطيتن؟ بيضل يعرض أسماء ويستدرج ويطعميك فلق وقتل حتى توافق معه على سيناريو يخدم قصته”.
يبدأ الإذلال من اليوم الأول عندما يوقفون المعتقل مع ورقة على كتفه كتب عليها “متهم بتفجير كنيسة سيدة النجاة”. قبل أن يسألوه أي سؤال عن الكنيسة، مجرد انه ينتمي الى “القوات اللبنانية”. من هنا تبدأ المطحنة. على كل حال هُم لا ينكرون ذلك ويقولون ان الداخل عندهم مفقود والخارج مولود. ويرددون “هون العدرا ما بتسمع. وتحت الارض 3 طوابق ما بيسمعك لا يسوع ولا غيرو”.
عندما أوقف جريس توفيق الخوري الشخصية الغامضة حينها بحثنا عنه في أرشيفنا وفي عديد “القوات” لم نجد له أثرًا. يومها قلنا إن هذا الشخص ليس من عديدنا.
عندما إعتقلوني وضعوني في ممشى الزنزانات في الطابق الثالث تحت الأرض واقفا معظم الوقت مكبل اليدين خلف ظهري “مطمّش” العينين، وصار الداخل والخارج يمشي فوقنا… وجدوا فيّ مرشحًا مثاليًا للصق تهمة تفجير الكنيسة بي، فأنا لست كجريس الخوري، مش مارق حد “القوات”، بل قواتي فاعل ومقرّب من الدكتور جعجع. وكانت كلها مواصفات مثالية لأكون المتهم الرئيسي في تفجير كنيسة سيدة النجاة.
في أول تحقيق معي أمام القاضي جوزيف فريحة في غرفة تحقيق وزارة الدفاع وكان صوت الضرب والخبيط وتعذيب الرفاق يصل الى القاعة التي يستجوبني فيها لدرجة أنه طلب من الشباب أن يروقوها شوي. “شوي!! والشباب تصرخ يا عدرا… يا أمي.. هيدي الحقيقة…”.
في اللقاء الثاني كنا في قصر العدل أنكرت أمامه الإفادة التي أجبروني على الإدلاء بها وتوقيعها، وقلت إنها كانت نتيجة إملاءات وضغوط نفسية وجسدية. حتى التوقيع على إفادتي كان يتم برفع “الطميشة” عن عيني لأرى فقط المكان الذي يجب أن أوقع فيه كي لا أوقع على الطاولة مثلًا من دون أن يكون لي الحق بأن أطلع على ماذا وقعت في المحضر. في المقابل كشفوا عن عيني لأقرأ خبر توقيفي وجاهيًا في جريمة تفجير الكنيسة لممارسة الضغط النفسي علي، وفي مرة أخرى لأقرأ صدور مذكرة توقيف بحق غسان توما بتهمة محاولة إغتيال الرئيس الياس الهراوي. وعندما علموا أنني تراجعت عن الإفادة التي فبركوها أعادوني الى غرفة التعذيب لتبكيل القصة وتقوية دعائمها ليثبتوا زوراً أنني إرتكبت الجريمة.
.jpg)
هنا كنت أنت المتهم الأول بتفجير الكنيسة؟
لا أعرف ما كانت مرتبتي. كل ما أعرفه أن جريس الخوري كان متهمًا في البداية ومن ثم أنا. لكنهم بعد إتهامي ” نيّموا قصة جريس وما عادوا يتعاطوا معو صار ياكل ويشرب وينام مرتاح”.
بعد اعتقال الدكتور جعجع زاد عدد الشباب المعتقلين. وفي الحقيقة هنا إرتحت قليلا من الضرب والتعذيب. لكن عندما كانوا يمرّرون الصاعق الكهربائي على الشباب كان يمرّ علي الدور!
وبحكم موقعي في “القوات” كانوا كلما سألوا شابًا يقول لهم لا أعرف إسألوا جهاد أو يطلب المحقق من الحرس “جيبوا جهاد”. مررت في كل التحقيقات مع الشباب.
50 يومًا مرّت وأنا معصوب العينين مكبلًا، بثيابي ذاتها، لا بل من دون ثياب بعدما جرّدونا منها. بقيت عاريًا بثيابي الداخلية من دون إستحمام ولا محام ولا مواجهة مع الأهل… “ياما أوقفوني مفرشخ على الحيط” ليوم يومين او ثلاثة أيام وكنت أغفو واقفًا، ثم أقع على الأرض و”أفجم” رأسي. كنا كلما “سكعنا” أو تعبنا يبادرونا بصعقة كهرباء أو ضربة على القدمين من الخلف. “أول 40 أو 50 يومًا كانت جهنم ومفتوحة”.
اللقاء مع الحكيم كان بالنسبة إليهم سيشكل الضربة الكبيرة. هم من اليوم الثالث راهنوا أن ما عانينا منه وما مرّرنا به كان كافيًا لنكره الدكتور جعجع. لكنهم لم يصلوا الى مبتغاهم. فراهنوا على أن يكون لقاؤنا بالحكيم الضربة الكبرى. سألوني “حابب تشوف معلمك موقوف؟” فأومأت بيدي بالموافقة وأنا معصوب العينين ومكبل اليدين، أخذوني ورفعوا عصبة العينين. رأيته، واقفاً “مفرشخ” على الحائط معصوب العينين، تأكدت أنه هو وليست تمثيلية علينا. كان لونه شاحباً كلون الشمع.
بعد أن بدأت فبركة الملفات تتكشّف عرفت بوجود كميل كرم، الذي إتهم بجريمة داني شمعون. لم نكن نعرف من هو هذا السجين الى أن علمنا في ما بعد.
في مرحلة ثانية بدأت الغرف تفرَغ. نقلوني من الممشى الى غرفة الحمام، وهي الوحيدة المزوّدة بـ”دوش”. كانوا كلما أرادوا إدخال سجين للإستحمام يأمرونني بأن أغطي رأسي. دخل أحدهم مرّة وأنا أغطي رأسي بحرام الصوف ورمى علي شيئأ، عندما خرج الجميع إكتشفت أنه ” لوح شوكولا”. حرت بأمري هل آكله أم لا؟ خفت أن يكون مسمومًا أو فيه مخدر… أنا من دون أكل بالطبع منذ أيام، فعدت وأكلته. لكن بقيت الورقة التي يمكن أن تكشف الأمر، من أين لي الشوكولا؟!! لذا عدت وأكلت الورقة لإخفاء آخر دليل!!.
بعد أيام عاد الى الحمّام وهمس لي “عجبك الشوكولا؟” فسألته من أنت؟ قال “أنا كميل كرم من القوات”. كان لا يدري ماذا يحصل وأن الحكيم أصبح موقوفاً.
هل تعتقد أنه إستُدرج لإعطاء إفادة تورِّط الدكتور جعجع؟
طبعاً تماماً مثلما فعلوا معي لكني تراجعت أمام القاضي، أما هو أو أنه لم يجرؤ على التراجع أو أنه لم يكن قد رأى القاضي بعد.
كميل لم يكن يدرك أن ما قاله قد يوصل الحكيم الى السجن، ومثله جريس الخوري. سألوني عن جريس، طبعاً أنا لا أعرفه وهو لا يعرفني. عندما كان يدخل الى الحمام حاول أن يتكلم معي. سألني شو قصتك؟ فقلت له أسلحة. قال: “بسيطة عقوبتها 7 أيام وبتطلع”. سألته: “وأنت شو قصتك؟” قال “أنا مثلي مثل سمير جعجع متهم بقضية تفجير الكنيسة”. تابعت معه: “ولديك محام؟”. قال: “لست بحاجة لمحامي”. فأجبته: ” لكني سمعت أن الحكم على الدكتور سمير جعجع ومن معه سيكون الإعدام”.
عندما ذهب سمعتهم يتكلمون معه في غرفة الاستجواب، ويقولون إنه يطالب بمحام ويريد التراجع عن إفادته. ساعتئذ إرتعبت. خفت أن يقرّ ويقول لهم إنه تكلم معي وما كنت أحتمل بعد تعذيباً… ولا حتى ضربة كفّ.
كان هناك تلفون يرّن على عدد الثواني في السجن، وكلما رنّ كانت معدتي ترتجف، أقول في نفسي هذه “خبرية” الله يساعدنا. كان هناك غرفة تحقيق “يزيزق بابها، وكلما فتح أقول “راحت عليي”. وكانت لي أسماء عدة ينادونني بها للضغط النفسي.
أقسى أساليب التعذيب والتدمير النفسي كانت تحت عنوان “تطيير الحمام” إستعملوها ليبرهنوا أنني فقدت عقلي. كانوا إعتقلوا قبلي جورج العلم وأخبروني أنه تحت التعذيب إختل عقلياً. وكان سؤالهم دائمًا “تريد أن تصبح مثل جورج العلم في دير الصليب أو تقول الحقيقة؟” بعدها صرت أنا المختل عقليًأ الذي يخيفون به المعتقلين الجُدد ليقولوا الحقيقة التي يريدونها هم بالطبع.
والى متى بقيت في جهنم؟
الى أن زارنا غبطة البطريرك بشارة الراعي، وكان مطرانًا، في السجن أنا وأنطوانيت شاهين والحنون وآخرين. وسألني “بدي إحكي بالإعلام أنت بعقلاتك ولاّ مش بعقلاتك؟” فقلت له أنا بعقلاتي”.
بعد زيارة غبطته خفّ التعذيب عني لكن كل الملفات كانت فُبركت في قضية الكنيسة وفي قضية شمعون ورفيق سعادة.
في قصر العدل عند القاضي جوزف فريحة تراجعت عن كل الإفادات التي أجبروني على توقيعها تحت التعذيب والضرب…، وعندما أعادوني الى الوزارة ” أكلت الفلق” وهم يصرخون “نحنا اللي قلنالك شو بتحكي. نحنا المحكمة… صدقت حالك انك بالمحكمة…؟”.
أذكر هنا أن صوت الكاتب في قصر العدل كان نفسه صوت المحقق في الوزارة.
في جلسة المحكمة العسكرية حول الأسلحة التي أطلق بعدها سراح معظم الرفاق، وكنا 40 أو 50 شاباً، حُكم علينا بالسجن لمدة شهر على ألا يكون الواحد منا محكومًا بقضية أخرى، أنا كنت قد أمضيت 3 أشهر في الإعتقال. لكن أتى أحد الرفاق وقال لي ” جهاد رح يركزّوا عليك كتير بقضايا تانية شوف كيف بدك تتحمّل”.
بعدما خرج الجميع عاد التحقيق معي في تهمة تفجير الكنيسة، وكانت كل التُهم قد مرّت علي منها قضية قتل المونسيور خريش مثلًا وهنا إنزعجوا لأنني تذكرت أنني في الحقبة التي قتل فيها كنت في ألمانيا. كانت الطبخة “مستوية” وفلتت من بين أيديهم!!
بعدها سألوني عن عملية إغتيال الرئيس رينيه معوض!! ماذا تعرف عن العملية؟
لم يبق قضية أو جريمة أو ضربة كف يبحثون لكبش لها إلا وعرضوها معي لتوريطي واستعمالها ورقة ضغط علي.
بقينا أنا ورفيق سعادة وكميل كرم وجريس توفيق الخوري والحكيم وكنا وصلنا الى منتصف حزيران.
بعد أسبوعين خرجت من السجن بعدما سقط عني القرار الظني بتفجير الكنيسة.
في كل هذه الأوقات الصعبة لم تذكر أي مواجهة مع عائلتك؟
في الأسابيع الأخيرة سمحوا لأمي وأختي بمواجهتي. ومرةً إعتقلوا أختي عندما أتت لزيارتي مع والدتي.
بعد خروجي من السجن علمت أنني سأبقى في متناول يدهم وأنهم سيستدعونني كلما أرادوا. فقررت أن أترك البلد. سافرت الى اليونان ومنها الى بريطانيا حيث بقيت طيلة سنوات القمع هناك حتى خروج الحكيم من المعتقل. كان الدكتور رشيد رحمة قد بدأ بجمع الشباب وتكوين لوبي بين بريطانيا وأوروبا عمومًا وأستراليا وأميركا للدفاع عن الدكتور جعجع. وتقرّر عقد أول مؤتمر للقوات في الإنتشار في لندن.
هيئة الإنتشار بدأت تنتظم وتجمع الشمل القواتي وتأمين الإتصالات مع المنظمات الدولية والتنسيق السياسي مع الحكومات الأجنبية في سبيل دعم قضية الدكتور جعجع.
حاولنا أن نقيم قداسًا في أيلول على نية شهداء المقاومة المسيحية والشيخ بشير الجميل في لندن إلا أن كاهن الكنيسة المارونية كان في إجازة، فلم يجرؤ الكهنة المكلّفون عنه أن يقيموا لنا الصلاة ما إضطرنا الى الإستعانة بالأب يعقوب بدوي وطلبنا منه أن يوافينا من فرنسا للإحتفال بالقداس. إضطررنا أيضًا أن نستأجر كنيسة للكاثوليك في لندن وقد غصّت باللبنانيين بشكل فاق العدد المتوقع بكثير. كان ذاك الظهور الأول للتحرّك القواتي وأمنّا له أكبر تغطية إعلامية عالمية ممكنة.
كنا نتابع أخبار لبنان عبر الصحف التي كانت تصل بعد يومين الى لندن، لم يكن هناك انترنت ولا خليوي ولا مواقع إخبارية ولا فضائيات، لم يكن لدينا الا تلك الصحف التي علمنا من خلال أخبارها أن الملفات ما زالت تفبرك للدكتور جعجع، فقرّرنا أن نفضح الأمر ونكشف للرأي العام الدولي كيف تُفبرك هذه الملفات في مؤتمر صحافي دعا اليه الدكتور رشيد ومكتب لندن الصحافة العربية والأجنبية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان. وكنا أنا ورفيقي فادي مهنا في المؤتمر لنخبر العالم بما عانيناه من ظلم في سجن وزارة الدفاع ومثلّنا أمام الحضور أساليب التعذيب التي إستعملت لإجبارنا على توقيع إفادات كاذبة، وكشفنا أنها أساليب يستعملها المعسكر الشرقي ولها أسماء وتوصيفات وكيف تنفّذ والمدة التي تستغرقها قبل أن “تعطب” المعتقل. وكان معنا المحامي الفرنسي دو سان جوست الذي تولى الدفاع عن الدكتور جعجع. أردنا أن نوصل الرسالة الى كل العالم.
.jpg)
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.