لعدم استمرار واقع الحال من فحش المعارضة
المحامي جورج ابو صعب
منذ اكثر من اسبوعين والمتابع للاخبار والاحداث في لبنان يلاحظ ظواهر غير مفهومة في ما يجري على الساحة المحلية وما يصدر من مواقف وانفعالاات وتفاعلات – وقد اختلط الخير بالشر والسيىء بالجيد منها لدرجة اننا اليوم في ما يشبه "برج بابل" سياسي منقطع النظير – الامر الذي لا يفاجئنا لاكثر من سبب.
فاعتبارا من اللحظة التي يرضى بها اللبنانيون او المسؤولون عنهم التنازل عن الدستور ووضعه جانبا في ممارسة الحياة المؤسساتية والسياسية العامة في البلاد مفضلين تقديم المساومات والمساهمات والمفاوضات والتسويات على ما عداها من اعتبارات فمن الطبيعي ان تصبح البلاد بلا سقف ولا مهل ولا ضوابط.
فثمة منحى لدى بعضهم ولا سيما في الاقلية الى طي صفحة الدستور واحترام المبادىء والاسس التي قام عليها هذا الدستور – فلدى هذا البعض اصبح الدستور فقط ورقة تفاوض او ابتزاز – فعندما يحتاج اليها لتثبيت موقفه يلجأ الى التذكير بالدستور وعندما يعرقله يضرب به عرض الحائط دون خجل ولا وجل – فالاقلية اليوم تعيش مرحلة الثورة النفسية على الدستور ومتطلبات الدستور لدرجة اننا نسأل انفسنا ما اذا كان زعماؤها قرأوه ولو مرة وتمعنوا في نصوصه – لان امثال العماد عون في مواقفه الاخيرة من التأليف والرئيس المكلف يبين للرأي العام مدى جهل الاقلية للنص الدستوري باطلاقه سلسلة من المواقف والاقتراحات التي لم ينص عليها الدستور – واخرها مسألة تسمية الرئيس المكلف: فالعماد عون على ما يبدو لم يبلغه مستشاروه الى ان ثمة مادة في الدستور هي المادة ( 53) في فقرتها (2) التي تنص صراحة على ان رئيس الجمهورية يسمي رئيس الحكومة المكلف بالتشاور …
فبكثرة ما تجاهلت الاقلية وتتجاهل الى الان نص وروح الدستور بكثرة ما نست الدستور وباتت في حاجة الى دروس خصوصية في الدستور اللبناني وعلومه.
ثم ان أعجب ما تتصرف على نحوه الاقلية اليوم هو هذا الفحش السياسي الفاضح في المواقف والتصاريح – فمن يراقب مواقفها يشعر بانه في امر من اثنين او في الاثنين معا : اما في ان الاقلية هي الاكثرية المنتصرة في الانتخابات النيابية واما ان الاقلية في صدد خوض حالة انقلابية على نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة او الاثنين معا – فالاقلية تنسى ان قواعد اللعبة الديمقراطية تتطلب ليس فقط القبول الكلامي بنتائج الانتخابات بل والعمل الفعلي على ترجمتها سياسيا – فاذا كانت الاكثرية قد مدت يدها للتعاون في تشكيل حكومة ائتلاف وطني او وحدة وطنية فلا يجب على الاقلية ان تعتبر نفسها قادرة على فرض شروطها من دون مراعاة لرأي الشعب اللبناني الذي قال كلمته في 7 حزيران الماضي واختار تجديد الثقة والتفويض للاكثرية – فان يكون للاقلية الحق بابداء مطاليبها في التشكيل لا يجب ولا يمكن ان يتحول الى اداة ابتزاز للاكثرية لتفرض عليها اراءها ومطاليبها تلك – ويحق للاكثرية ان تعود الى اصول اللعبة وان تشكل حكومة اكثرية تتشكل من وزراء من كافة الطوائف اللبنانية ولتمارس الاقلية حقها الطبيعي في الاعتراض والمراقبة والمحاسبة تحت قبة البرلمان .
هذا برأينا التفكير السليم والقانوني والدستوري والمنطقي للخروج من الازمة الحكومية الحالية الناجمة عن سياسة اليد الممدودة من طرف واحد.
فانطلاقا من كلامنا اعلاه نرى ان اخطر ما في المرحلة الحالية هو انها تضعف رئيس الجمهورية كما تضعف الرئيس المكلف وتقضم رويدا رويدا نتائج الانتخابات النيابية وصورة الاكثرية النيابية في البلاد، خصوصا بعد ان حسم وليد جنبلاط موقفه لجهة البقاء في الاكثرية النيابية والاكثرية الوزارية.
فبات تشكيل الحكومة المشكلة والحل في ان: بحيث ان الاستمرار في انتظار تعاون المعارضة والعماد عون على وقع التصاريح النارية والمواقف الفاقدة لاي سقف من هنا وهناك في ظل لعبة توزيع ادوار بين "حزب الله" وحلفائه ومن بينهم العماد عون وفي ظل عدم وجود مبادرة جدية من حلفاء هذا الاخير لتخفيض سقف مطاليبه وشروطه التعجيزية – يجعل الامر وكأنه يبدو ان التأخير تتحمله الاكثرية والرئيس المكلف فيما الواقع والحقيقة يفيدان عكس ذلك – من هنا ضرورة تشكيل حكومة بتوافق الرئيسين (رئيس الجمهورية والرئيس المكلف ) وليتحمل من يعرقل اعمالها مسؤولياته امام الشعب والتاريخ.
اننا في مرحلة اللا دستور واللا سقف واللا ضوابط وهي مرحلة استثنائية لا يمكن ولا يجب ولا يجوز ان تدوم اكثر – فالنظام اللبناني في مرحلة ازمة لان الدستور في حالة تجميد – ولان قواعد النظام الديمقراطي مجمدة ولان ثمة اكثرية متفهمة اكثر من اللزوم واقلية وقحة اكثر من اللزوم – فكما ان الاقلية في مرحلة من مراحل مواجهتها مع الاكثرية السابقة اتخذت من الدستور ومقدمته درعا قانونيا وسياسيا لخوض المواجهة مع حكومة الرئيس السنيورة ما قبل الدوحة ولا سيما الفقرة (ي) من مقدمة الدستور – فلتخض الاكثرية اليوم، والدستور والنظام الديمقراطي والشعب الى جانبها، معركة تثبيت الدستور وتطبيق الدستور واعادة الامور الى نصابها القانوني والدستوري شاء من شاء وابى من ابى .
ان الصيغة الحكومية (رغم معارضتنا لها لكونها لا تعكس حقيقة الاكثرية الوزارية المنبثقة عن الانتخابات النيابية ) التي تم التوافق عليها تصلح لارساء الحكومة الجديدة – وبالتالي فان الاقدام على تشكيل حكومة على اساس هذه الصيغة لن يعتبر اخلالا بالاتفاق والتوافق وليتحمل عندها المعارضون والمعترضون والمعرقلون مسؤولياتهم امام الشعب والتاريخ ان تجرأوا على الاعتراض او العرقلة – وجل ما امامهم للاعتراض والمعارضة الندوة البرلمانية وقواعد الحياة البرلمانية والحريات الديمقراطية المصانة بموجب الدستور والقانون وفي حدودهما ليس الا.
فالاكثرية اليوم ومن خلالها الرئيس المكلف ادت قسطها للعلى في مد اليد ومحاولة التقرب من الجميع وتفهم هواجس الجميع وارضاء الجميع بالقدر الممكن – ولو على حساب ما يعطيها انتصارها في 7 حزيران من مميزات وامتيازات في الكثير من الاحيان – وباتت الاكثرية اليوم مسؤولة اخلاقيا امام شعبها وناخبيها عن المزيد من التأخير لاسيما ان البلاد في حالة اهتراء اقتصادي ملحوظ لا يخفيه بعض من اوكسجين الموسم السياحي والطفرة الاغترابية الموقتة- وبالتالي لم يعد مسموحا انتظار تبدل مزاجيات العماد عون وحلفائه ولا اشارات الخارج او الداخل طالما ان الرئيس المكلف سيكون ملتزما الصيغة التي اجمع عليها جميع الفرقاء في تشكيل الحكومة.
فامام فحش الاقلية ووقاحة البعض فيها التي وصلت لديه الى حد الانتقال الى مرحلة التلويح بعدم قبول الصيغة الحالية بعد فترة معينة في حال عدم التشكيل السريع – وكانه هو من يتحكم بمصير البلاد حكومة او لا حكومة – على الاكثرية ان تتسلح بالدستور والقانون والحق والمشروعية الشعبية ويقول الرئيس المكلف بالتوافق مع فخامة رئيس الجمهورية الكلمة الفصل في اعلان تشكيل الحكومة .