
خرقت المواقف التي عبّر عنها نائب وزير الخارجية الاميركي انطوني بلينكن، عقب جولته في بيروت على عدد من المسؤولين والسياسيين، الجمود الذي طبع المشهد الداخلي في الايام الاخيرة نظراً الى الدلالات البارزة التي اكتسبتها هذه المواقف وخصوصاً لجهة اطلاقه كلاماً نارياً حيال النظام السوري وداعمه “حزب الله ” من جهة وأزمة الفراغ الرئاسي في لبنان من جهة اخرى. ولم يقتصر تحريك الجمود على مواقف بلينكن وحدها، ذلك ان تطوراً ذا دلالات مهمة أيضاً سجّل في موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من الازمة الرئاسية بتحميله للمرة الاولى فريقاً سياسياً داخلياً مسؤولية تعطيل الانتخابات الرئاسية، الامر الذي يعد بمثابة نقلة نوعية في تصعيد نبرة البطريرك حيال معطلي هذه الانتخابات الرئاسية وإن يكن لم يبلغ حد تسمية الفريق المعطِّل.
ولعل ما أكسب موقف الراعي هذا البعد ان ملامح التباين بين بكركي ورئيس “تكتل التغيير والاصلاح” العماد ميشال عون برزت مع غياب الاخير عن القداس الاحتفالي بعيد الفصح في بكركي الاحد، اذ حضر الرئيسان السابقان امين الجميّل وميشال سليمان ولم يحضر العماد عون ولا زار بكركي معايداً، علماً ان رئيس حزب “القوات اللبنانية ” الدكتور سمير جعجع كان زارها بدوره يوم الجمعة العظيم.
في غضون ذلك، علمت “النهار” أن بعداً أساسياً برز في زيارة بلينكن لبيروت غداة التوصل الى اتفاق اطار بين القوى الكبرى وايران على البرنامج النووي الإيراني تمثل في اطلاع المسؤولين على مناخ هذا التطور وتبديد المخاوف من تداعياته ولو ان الزيارة كانت مقررة قبل التوصل الى الاتفاق.
ونقلت “المستقبل” عن مصادر شاركت في لقاءات بلينكن أنّ بيروت محطة أولى في جولة ستقوده إلى المملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر لـ”تطمين” هذه الدول، وهوأكد للمسؤولين اللبنانيين أنّ الاتفاق مع إيران هو مجرّد اتفاق محصور بالملف النووي فقط (Cage agreement) ولا علاقة له البتّة بقضايا أخرى في المنطقة، وأنّ من شأن هذا الاتفاق دعم المعتدلين في إيران، وأنّ إيران بلا سلاح نووي أفضل من إيران معه. أضافت أنّ الزائر الأميركي أكد أيضاً حرص إدارته على “التوازن” في المنطقة بدليل دعمها لـ”عاصفة الحزم” التي تقودها المملكة العربية السعودية ودول الخليج في اليمن، وأنّ هذه الإدارة تعلم تماماً أنّ هذا “التوازن” يحتاج إلى حلّ في سوريا وأنّها رغم عدم امتلاكها تصوُّراً في هذا الشأن حتى الآن، فهي “تدرّب المعارضة السورية المعتدلة وتتشاور مع روسيا من أجل بلوغ حلّ في هذا الصدد”.
وعلمت “المستقبل” أنّ بلينكن أبلغ المسؤولين اللبنانيين أنّ هناك اسمين مرشّحين لحلول أحدهما مكان السفير دايفيد هيل، ولم يفصح عنهما، وأنّ هذه الإجراءات تتطلّب بعض الوقت ما يفترض بقاء السفير هيل في موقعه حتى آب أو أيلول المقبلين.
وعلمت “الجمهورية” أنّ بلينكن لا يحمل معه أي مبادرة وهو كان مستمعاً ومستعلماً أكثر ممّا كان متكلماً، ولم يدخل في الملف الرئاسي من باب تحديد مواصفات رئيس الجمهورية بل من باب القلق من استمرار الشغور الرئاسي والتشديد على ضرورة إنجاز هذا الاستحقاق وانتخاب الرئيس العتيد.
كذلك فإنّ بلينكن الذي وضع المسؤولين في أجواء مفاوضات لوزان وإطار الاتفاق النووي اكد لِمَن التقاهم أنّ ما جرى لا يعني ابداً تسليماً اميركياً بهَيمنة إيرانية او إطلاق يدها في المنطقة العربية، وجدّد دعم بلاده للشرعية اللبنانية والجيش والقوى الأمنية في مواجهة التهديدات الارهابية.
وقالت مصادر اطّلعت على مضمون بعض لقاءاته لـ”الجمهورية” إنه استهلّها بعرض شامل وسريع للمهمة التي كلّف بها، وهي مهمة استقصائية للوقوف على رأي المسؤولين اللبنانيّين ممّا يجري في المنطقة ووَضعهم في أجواء الثوابت الأميركية فيها، ولا سيما تجاه الوضع في لبنان.

ونقل مصدر في “اللقاء النيابي الديموقراطي” برئاسة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط عن بلينكن قوله: “ما زلنا في البداية في إطار الاتفاق حول النووي وسنبحث لاحقاً في الأمور الجدية”. وأكد بلينكن، بحسب ما قاله المصدر لـ”الحياة” أن الولايات المتحدة لن تترك حلفاءها في المنطقة أو تفكر في التخلي عنهم، ولذلك حضر إلى لبنان لهذا الغرض في إطار جولة تشمل عدداً من الدول العربية، لافتاً إلى أن الرئيس باراك أوباما سيقول هذا الكلام لعدد من قادة دول الخليج لدى استضافته لهم في كمب ديفيد. ولفت المصدر نفسه إلى أن بلينكن طرح مجموعة من الأسئلة حول ما آلت إليه الاتصالات لإنهاء الشغور في سدة الرئاسة الأولى في لبنان من دون أن يتطرق إلى مواصفات الرئيس العتيد أو إلى أي اسم من المرشحين لهذا المنصب. وقال إن أسئلته بقيت في سياق الاستفسار، داعياً في الوقت نفسه، إلى ضرورة الإسراع في انتخاب الرئيس لأن لا مصلحة للبنان في استمرار الفراغ الرئاسي. وكشف المصدر أن الموفد الأميركي، خلال اجتماعه مع جنبلاط في حضور أعضاء من “اللقاء الديموقراطي” ومن بينهم النائب مروان حمادة والنائب السابق غطاس خوري مستشار الرئيس سعد الحريري، سمع كلاماً واضحاً يتعلق بأسباب تعذر انتخاب الرئيس ومنها أن إيران من خلال حلفائها ما زالت تعيق انتخابه وإلا لماذا يستمرون في مقاطعة الدعوات إلى الانتخاب. وأكد المصدر أيضاً أن بلينكن كان صريحاً لدى قوله إن الولايات المتحدة لن تترك النفوذ الإيراني يتمدد في المنطقة. وأن إطار الاتفاق مع طهران محصور بالنووي ولا شيء آخر. كما علمت “الحياة” أن بلينكن جدد التزام بلاده دعم الدولة اللبنانية للتخفيف من الأعباء المترتبة عليها جراء استقبالها حوالى مليون ونصف مليون نازح سوري.