كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1425:
من عائلة كتائبية تهجرّت من بلدة الخنشارة المتنية هربًا من الاحتلال السوري، تفرّغ للعمل في مصلحة الطلاب منذ الصفوف الثانوية وحتى الاختصاص الجامعي.
في العام 1993 تولى مهام رئاسة مصلحة الطلاب في “القوات اللبنانية”. وبدأ المشوار.
سلمان سماحة، الذي لا يحب أن ينسب له وحده ما سطِّر من بطولات طلابية في زمن المقاومة السلمية تميز بصلابة لافتة بالالتزام والإيمان “ان ما من حق يموت وخلفه مطالب”. معركته كانت إسقاط رهاناتهم، تكسير الأسوار التي حاولوا أن يرفعوها لسجن القواتيين في السجن الكبير مع سجن قائدهم في السجن الصغير.
عن الهجوم السلمي المضاد ضد سلطة الوصاية يستعيد سماحة محطات ويتحدث بالتفصيل.

البداية كانت مع الجو السياسي والإعلامي المشحون ضد “القوات اللبنانية” التي وافقت على إتفاق الطائف على أن ينفذ بكل بنوده وأهمها إنسحاب الجيش السوري الكامل عن الاراضي اللبنانية. الأمر الذي لم يكن يجرؤ أي فريق سياسي آخر على التعبير عنه ولو في السرّ في زمن الوصاية السورية على وطن لم يبلغ الرشد بعد كما اعلن رئيسه آنذاك الرئيس الياس الهراوي.
يقول سماحة: “رغم دخولنا في مشروع الدولة الجديد والجمهورية الثانية لا أخفي أنه كان لدى كل مقاوم لبناني منا شعور أننا خسرنا الحرب وأننا داخلون مرحلة جديدة أقسى وأن المواجهة ستكون مفتوحة لا سيما مع إزالة خطوط التماس وكل الخطوط الحمر التي كانت تحمي مناطقنا من الاستهدافات. دخلنا فعلياً في نفق مجهول فرضته ظروف اقليمية ودولية على المسيحيين في لبنان.
بدأ هذا الإحساس مع تأليف أول حكومة بعد إتفاق الطائف، حين أعطيت “القوات اللبنانية” وزيراً واحداً من أصل 27. وكانت عملية التحجيم والتقزيم لدور “القوات اللبنانية” وحجمها واضحة. توضحت الصورة أكثر فأكثر بعد معاناة القواتيين من الإقصاء عن كل قطاعات الدولة.
كان النظام السوري يسعى لتطويعنا وإدخالنا في الحلقة السياسية التي يديرها هو على إيقاعه. ونحن كمصلحة طلاب في “القوات اللبنانية” شعرنا بهذا الضغط مع اول انتخابات طلابية في الجامعة اللبنانية حيث تكتلت كل القوى السياسية الطلابية ضدنا. كان الاستهداف مباشرًا والهدف إسقاطنا، ولم يطل الموضوع حتى حصل الانفجار الكبير مع تفجير كنيسة سيدة النجاة. انكشفت المعركة.
بدأت لقاءاتنا تنعقد في غدراس حينذاك، وبدأت التوقيفات. مئات الشباب أوقفوا لعزل الدكتور سمير جعجع وتفريغ “القوات” من قواعدها وتفكيك كل التركيبة الحزبية والشعبية المؤيدة والمحيطة به عن طريق الترهيب.
أذكر أنني أوقفت قبل يومين من توقيف الحكيم. رأيته في غدراس وأبلغته أنني مطلوب للتحقيق كنا أنا والرفيق مخايل عواد. كان اللقاء سريعًا جدًا وقال لنا بالحرف “حضروا حالكن يا شباب عالحبوسة”. لم يحمّلنا أي وصية ولم يكلفنا بأي مهمة. كنا بدأنا معه مرحلة المقاومة السلمية والنضال السياسي.

اعتقل الدكتور جعجع يوم الخميس وكان أول تحرك لنا كمصلحة الطلاب نحو بكركي للمطالبة باطلاق سراح الحكيم او على الأقل نقله من سجن وزارة الدفاع الى أي مكان آخر أكثر أمانًا.
في بكركي كان الجيش يطوِّق المكان والطرق المؤدية الى الصرح، وكان في التظاهرة نساء وأطفال ومع ذلك حصل إطلاق نار لتفريق الناس وتخويفهم. نحن شباب مصلحة الطلاب لم نتمكن من الوصول أبعد من البوابة الخارجية، وتعرّض كثيرون منا للتوقيف. أذكر هنا أننا توجهنا فورًا للقاء المطران بشارة الراعي، وعلى أثر إبلاغه باطلاق النار، توجه على الفور الى بكركي لمعالجة الوضع. كنا دائمًا على تواصل مع سيدنا ونضعه في أجواء التوقيفات والاعتقالات والتعذيب وكل ما يتعرض له الشباب في المراكز الأمنية.
بعدها حاولنا أن ننظم تجمعًا في حريصا لتجنيب سيدنا البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الإحراج، أيضًا تعرضنا لضغوط كبيرة من القوى الأمنية لتفشيله. مذاك إتخذنا القرار بالانحسار قليلاً لتهدئة الأمور بغية لملمة الصفوف والتواصل مع المجموعات كافة بشكل فعّال للتحضير لتحرّك أكبر.
بعد مرور نحو عامين على جلجلة تفجير كنيسة سيدة النجاة وفي الذكرى الأولى كان جريس الخوري قد نقض أمام المجلس العدلي كل ما جاء في إفاداته الأولى، ونفى كل ما جاء من إعترافات تأسس عليها القرار الظني لإتهام الدكتور جعجع و”القوات” بالجريمة، ما نسف كل التركيبة التي عوّلوا عليها. دعونا الى تجمع طلابي حاشد في بكركي شارك فيه عدة آلاف وكان للدكتور المرحوم إدمون نعيم كلمة في المناسبة.
وفي أول جلسة محاكمة في العدلية، تركّز عملنا على مستويين: الأول الحضور داخل القاعة والثاني الحضور خارجها. ونجاح تحركنا هذا عرّضنا لضغط كبير وحملة كبيرة من التوقيفات. فقد أزعجهم تجمّع المحامين والمناصرين الكبير في الداخل والحشود الشبابية والشعبية في الخارج، لذلك لم يسمحوا لنا بالاقتراب من باب العدلية وراحوا يدفعون بنا الى الخلف حتى وصلنا الى ساعة العبد، هناك نزلوا فينا ضربًا لتفريقنا. تلا الحادثة سلسلة إستدعاءات للشباب الذين شاركوا وبالتالي توقيفات لعدد منهم.

زاد الضغط علينا وتوسعت حملات التوقيفات مع قسوة لافتة في مراكز المخابرات، كانوا يراهنون على أن نملّ ونتعب أو نخاف ونهرب ونسافر او ننكفىء في بيوتنا، هذا كان رهانهم. وبالنسبة لهم الدكتور جعجع في قبضتهم لذلك لم يعطوا حركتنا أهمية كبيرة وأعتقدوا أنها مع الوقت ستضمحل وهذا ما لم يتحقق. كان بعض قيادات الصف الأول في “القوات” إما سافر وإما كان له نظرة مغايرة لنظرتنا مع الدكتور جعجع تقضي بالمهادنة والمسايرة لتقطيع المرحلة. وبالتالي كانت هذه القيادات مشتتة متباعدة في وجهات النظر.
ورغم إختلافنا في مقاربة الواقع مع كثر بينهم، بقي الإتصال معهم حتى حوالي العام 1997 بالرغم من أن خيارنا كان المواجهة والمقاومة السلمية والديمقراطية للأمر الواقع، وهم كانوا يرون في خيار المهادنة والمسايرة مصلحة للمسيحيين في ظل الظروف الوطنية والأقليمية.
وبما أن هذه التركيبة تشتتت، أخذنا على عاتقنا مبادرة أن نعيد ربط “القوات اللبنانية” بتركيبة من قيادات الصف الثاني او الثالث اذا صحّ القول. إستغرقت هذه المهمة الكثير من الوقت والجهد لكننا نجحنا في إعادة التواصل مع الكثير من القطاعات في “القوات” وأعدنا تحريكها وتفعيلها في إطار قرار المواجهة الذي إتخذناه.

في هذه الأثناء من كان يوجه خطواتكم وتحركاتكم؟ هل كان للدكتور جعجع اي تواصل معكم؟
“بصراحة كانت الضغوط كبيرة على الدكتور جعجع في هذه المرحلة لا سيما إبان جلسات المحاكمات إن في قضية تفجير الكنيسة او في قضية داني شمعون، والسيدة ستريدا جعجع والمحامون ركزوا إهتمامهم على هذه الجبهة فيما نحن أخذنا على عاتقنا الشق السياسي والاعلامي والشعبي. كنا نجري قراءة للوضع وعلى أساسها نتخذ القرارات والخطوات المطلوبة.
نشكر الله أن كل الخطوات التي إتخذناها وقتذاك عاد وكرّسها الدكتور جعجع بعد خروجه من السجن في الخيارات والتحالفات السياسية. كنا نفعل كل ما يزعج ويناقض مخططات الأجهزة الأمنية للإنقضاض على “القوات اللبنانية”. على سبيل المثال في قضية إغتيال داني شمعون كنا نعرف أن السلطة آنذاك كانت تحاول عزل “القوات” عن محيطها المسيحي فخططنا لرد مضاد وأعدنا التواصل مع الأحرار بواسطة رئيس مصلحة الطلاب الأحرار المحامي جو نحول وقابلنا رئيس الحزب دوري شمعون وأسسنا لعلاقة متينة ووثيقة مع “الأحرار” أهلتنا لأن نكون يوم صدور الحكم في قضية داني شمعون جنبًا الى جنب مع رئيس حزب “الأحرار” وشقيق المغدور داني شمعون الأستاذ دوري شمعون.
كما كنا نرى أنهم يحاولون نكء جرح حرب الإلغاء مع “التيار الوطني الحرّ”، فكسرنا حاجز الحقد والدم بيننا بالتعاون مع المسؤول الطلابي في التيار وقتها حكمت ديب وأسسنا لحلف وثيق معهم وخضنا معًا العديد من الجولات الاستقلالية والسيادية.
وكذلك الأمر مع “الكتائب” كانت المحاولات حثيثة لإعادة إحياء الخلاف الذي نشأ بين “القوات” و”الكتائب” عشية إنتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل وتسليمه السلطة للعماد عون كرئيس للحكومة العسكرية الإنتقالية، فتحالفنا مع الوزير الشهيد بيار الجميل والنائب سامي الجميل والحركة الطلابية الكتائبية وحطمنا هذا الحاجز.
وهكذا إنسحبت سياستنا على العلاقة مع حزب “الكتلة الوطنية” وكسرنا المحظور الذي ورثناه من الخلافات القديمة مع “الكتلة”. في هذا المكتب كنا نلتقي “قوات” و”تيار” و”كتائب” و”أحرار” و”كتلة”… وهكذا دمّرنا السور الذي حاولت السلطة أن تسجننا داخله وتعزلنا عن بيئتنا.
في المرحلة الثانية توجهنا لتأسيس علاقة مع الشركاء الآخرين في الوطن. لم نترك لقاء أو محاضرة إلا وشاركنا فيها لتوطيد العلاقة معهم. لا يمكن أن أنسى مثلا مبادرة إذاعة “لبنان الحر” وبرنامج الإعلامي مارسيل غانم الذي كان ينظم حلقات حوارية تشارك فيها كل الهيئات الطلابية تعالج مواضيع نقابية وجامعية وتربوية… هذا المنبر سمح لنا أن نبني علاقات مع المنظمات الطلابية بدأت عبر منظمة الشباب التقدمي الاشتراكي والوزير وائل ابو فاعور وزاهر رعد، وبواسطتهما تمكنا من الانخراط مع كل المنظمات الطلابية في المقلب الآخر، ما أتاح لنا نحن المقموعين والمطاردين المشاركة بالنشاطات الطلابية التي كانوا يقيمونها والتعرف على شباب “تيار المستقبل” وشباب “حزب الله” حتى والتواصل معهم بالرغم من كل الحظر المحيط بنا. وهنا لا يمكن أن أنسى أن هذا التقارب مع الشباب التقدمي أتاح لنا في العام 2000 عرض العريضة التي اطلقتها مصلحة الطلاب بمبادرة منها للمطالبة بالعفو عن الدكتور جعجع، فكان الوزير وليد جنبلاط اول سياسي تُعرض عليه وجهًا لوجه عبر منظمة الشباب التقدمي برئاسة وائل أبو فاعور وحضور زاهر رعد. تحفظ جنبلاط على التوقيع بالطبع للظروف الضاغطة حينذاك.
تركزت مبادراتنا في هذا الاتجاه الذي يخترق الحواجز التي كانت تبنيها السلطة لتحجيم “القوات”، ويشكل بالتالي هجوماً مضاداً يقرّبنا إن من شركائنا المسيحيين او باقي الشركاء في الوطن. وهذا ما كرّسه لاحقًا الدكتور جعجع بعد خروجه من السجن وكرّسته بالتأكيد ثورة الأرز.

من العام 1994 الى العام 2001 سنوات تختزل مسيرة طويلة من النضال الطلابي السياسي التصاعدي وذروتها كانت تظاهرة 14 آذار وثورة الأرز. تخللت هذه المسيرة محطة إستهدفنا فيها بشكل قاس كحركة طلابية في 7 آب 2001 على أثر زيارة البطريرك صفير الى الجبل والمصالحة الكبيرة التي نتج عنها شعور لدى الدولة أن تركيبة سياسية جديدة تولد وتأتي بعد ولادة لقاء قرنة شهوان إثر نداء المطارنة الموارنة الشهير وكانت “القوات اللبنانية” والتيار الوطني الحر والمعارضة الكتائبية والكتلة الوطنية وحزب الأحرار نواته وعصبه الشعبي والسياسي الصلب. هذا التحرك تمكن من مد اليد باتجاه قوى لبنانية بدأت بالمصالحة مع الحزب التقدمي الاشتراكي والوزير وليد جنبلاط.
زيارة البطريرك الى الشوف بدت وكأنها إشارة الى ان الحركة السياسية لم تعد مسيحية فقط وبدأت تتشابك مع مكونات لبنانية أخرى أولها المكوّن الدرزي ومن خلاله كان جليًا أن هناك مباركة من الرئيس رفيق الحريري لهذه الحركة، فقرروا تلك الضربة لقطع اوصال هذه الحركة نهائيا.
في 5 آب كان قداس البطريرك في دير القمر، وتحرك شعبي كبير من مختلف الأحزاب والتيارات المسيحية عند كوع الكحالة لملاقاته أطلقت فيه شعارات تطالب الجيش السوري بالخروج من لبنان.
بذور الحركة الاستقلالية كانت بدأت تنمو فقرروا خنقها قبل أن تبصر النور فكانت 7 آب.
مكتبنا هنا كان مقراً لدورات تثقيفية، وكان الرفيق الدكتور أنطوان حبشي يلقي محاضرة بالتعاون مع الرفيق مخايل عواد. وفيما كنت في طريقي للانضمام اليهم صادفت دورية للمكافحة تطوق مكتب “التيار الوطني الحر”.
في أنطلياس، حاولت الاتصال برفاق منهم إلا أن خطوطهم الخلوية كانت مقفلة، فاتصلت بالرفاق في مركزنا وأخبرتهم. ومع وصولي كانت المكافحة تطوق مركزنا أيضًا فاتصلت بمسؤول أمني أبلغني أن مركزنا سيداهم والشباب سيوقفون ونصحني بأن أخرج من المنطقة. كان مستحيلا أن أترك الشباب وهم طلاب ثانويون او في سنتهم الجامعية الأولى أي أن أعمارهم تترواح بين 17 و20 سنة وبينهم صبايا أيضًا. توجهت الى ضابط الحاجز أمام المركز عرفته عن نفسي علّني أدخل فوضع الأصفاد في يدي، وكانت وصلت شاحنات الريو وفيها الشباب وأثاث المكتب فألحقوني باحدى الشاحنات التي أقلتنا الى وزارة الدفاع”.
سماحة رفض الخوض في الحديث عن تجربته مع التحقيقات والتعذيب في وزارة الدفاع. فضّل الإضاءة على الإنجازات السياسية والشعبية التي حققها النشاط الطلابي واعتبر أن الكثير من الشباب الذين “فُرموا” ونكّل بهم أضعاف أضعاف ما عانى هو تستحق تجربتهم أن تظهّر للعلن لتكون عبرة للتاريخ. لكن الملف الذي فُبرك له ولرفاق معه لم يكن أقل خطورة. فقد إتهم الموقوفون في 7 آب بتأليف شبكة للتعامل مع إسرائيل والتواصل معها وتحضير انقلاب على الدولة من خلال التحركات الشعبية…
يتابع سلمان: “تم توقيف الدكتور توفيق الهندي وأجبر على الإدلاء بافادات كاذبة تخدم هذا الملف تفيد بأننا تلقينا تعليمات من الإسرائيليين لتنظيم تحركات شعبية ضد السلطة وضد السوريين في لبنان لإخراجهم من لبنان وإرباكهم… حصلت التوقيفات قبل أيام من زيارة الرئيس إميل لحود الى الديمان وكان يحتاج لهذا الملف… ألصقت بنا هذه التهم وبقينا أنا والنائب إيلي كيروز في السجن طيلة 4 أشهر بتهمة كتم معلومات عن الاتصال بالعدو والدكتور هندي سجن 15 شهرًا بعد محاكمة صورية. أعتقد أن إطلاق سراحنا كان هدية للبطريرك حينها”.
حتى في سجنه لم يشأ سلمان أن تكون يومياته قهراً وإنتظاراً. إعتبر بعد طول تأمل وصلاة أنه بين القضبان لهدف ما. عاش في المبنى “ب” في سجن روميه بين الأخطر من المحكومين وقرّر تنظيم دورة تعليم للغة الإنكليزية، او دورات في حال طالت مدة سجنه. تقدّم بطلب من إدارة السجن ووزارة الداخلية لتنفيذ مشروعه وجاءت الموافقة قبل أيام عدة من إطلاق سراحه لكن معهد سلمان سماحة للغة الإنكليزية في سجن رومية كان بدأ دوراته!!! وعلى أثر هذه المبادرة إنطلقت مبادرات غيرها لتأهيل السجناء.
مفاعيل سياسة إرضاء البطريرك لم تدم طويلاً وعاد أسلوب القمع أكثر وحشية مع اغتيال الشهيد رمزي عيراني الذي جاء بمثابة تصعيد غير متوقع. يقول سلمان: “لكن حتى الموت لم ينجح في ردعنا ولا إخافتنا. لا أعرف لماذا لم أشعر يوماً بالخوف، ربما هو الإيمان الكبير بقضيتنا، ربما هي العناية الإلهية التي جعلت من كل ضربة… قوة أكبر!… ودّعنا رمزي وعاهدناه ان استشهاده لن يذهب هدراً وأننا مستمرون بالنضال من أجل الوطن الذي حلمنا به معًا…”.
مع إستشهاد رمزي عرف الطلاب من جيل ما بعد الحرب معنى وقدسيّة الشهادة. إحدى الطالبات الناشطات في “القوات” عرفت أن سلمان سيكون ضيفًا على محطة MTV وذلك قبل أن تقفل، إتصلت به وقالت ” قلّ لهم أن الموت لا يختارنا نحن الذين نختاره”!
باتت الشهادة خيارهم، وما عاد الموت حتى يرعبهم، يؤكد سلمان. ويضيف: “ترجمنا ذلك في أول إستحقاق ووجهناه تحية لروح رمزي في الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي مع الأستاذ غبريال المرّ وكانت ردة إجر للسلطة على 7 آب وعلى إغتيال رمزي وعلى حكم الدكتور توفيق الهندي… قلنا لهم بذلك أن لا شيء يمكن أن يرعبنا وسنبقى في طليعة المناضلين في الخط السيادي”.
يتابع سماحة: “الحركة الطلابية كانت رأس الحربة للدفاع عن القضية التي من اجلها سجن الدكتور جعجع، وهي سيادة لبنان وحماية كيانه واستقلاله والمحافظة على التوازن والنظام الحر والديمقراطي. كان واضحًا لدينا من البداية أن الدكتور جعجع لن يخرج من السجن الا مع خروج الجيش السوري من لبنان وهذا ما قاله لحظة خروجه “خرجت من سجني الصغير يوم خرجتم من سجنكم الكبير”.
ينهي سماحة ويختم مختصراً 11 عاماً من النضال الطلابي بالقول: “بدأنا من تفكيك ممنهج لكامل الجسم القواتي وتوصلنا الى إعادة تجميع وتفعيل الشمل الطلابي. من تشويه صورة “القوات” وضربها الى تثبيت “القوات” في خطها التاريخي النضالي وتظهير هذا الخط قولاً وفعلاً في مختلف المواقف والاستحقاقات. من مواكبة محاكمات الدكتور جعجع الى مقاطعة الانتخابات النيابية، الى التحضير لزيارة البابا، ثم الانتخابات البلدية عام 1998. من كسر الحواجز ومدّ الجسور مع القوى المسيحية السيادية كافة الى العبور الى الشريك اللبناني. من محاولات العزل الى ملاقاة الرئيس الفرنسي جاك شيراك على درج بكركي عام 1997. من ربط الجسم الطلابي بالجسم القواتي وجعله رأس حربة للتعبير عن موقف “القوات” الرافض لواقع الاحتلال السوري، الى مواجهة كل المحاولات من الخارج والداخل لعزل القوات عن حلفائها السياديين ومنعها من ملاقاة اللبنانيين الاحرار. من “قوات” مقموعة ممنوعة من التعبير الى “قوات” تكرّم الاعلامي الشهيد سمير قصير عام 1999 على مقالاته بعدما تعرّض له من ملاحقة من قبل الأجهزة الامنية. و”قوات” تقف في وجه قرار إقفال محطة MTV. من “قوات” ممنوع أن يلتقي محازبوها وتقفل مكاتبها ومراكزها، الى حركة طلابية تفتتح مكتبًا يلتقي فيه طلابها علانية لبلورة الأفكار والمبادرات. من “قوات” متهمة باغتيال رئيس وزراء لبنان الى “قوات” تلاقي الرئيس رفيق الحريري في بكركي وتدعوه ليضع يده بيد سيد بكركي كما رياض الصلح وبشارة الخوري. من “قوات” متهمة بحرب الجبل الى قوات تشارك في مخيمات منظمة الشباب التقدمي في نبع الصفا، وتنظم مع المنظمة لقاء بعقلين صيف 2001. من محاولات فصل “القوات” عن تاريخها الى صوت واحد يصرخ: “بشير سمير، قضية واحدة مسيرة واحدة قوات واحدة”، الى قداس الشهداء والزحف البشري الذي لم تقطعه الحواجز والمضايقات. من شعار “وحدا بتحمي الشرقية القوات اللبنانية” الى شعار “سيادة توازن حريات، هيدا مشروع القوات”. من خسارة كاملة لكل المواقع الطلابية في الجامعات عام 1993 الى ربح شبه صاف لكل الهيئات الطلابية في الجامعة اللبنانية (باستثناء كلية الآداب- الفنار) والجامعات الخاصة الفرنسية والأميركية نهاية عام 2002.
طلاب القوات اللبنانية اتخذوا لحركتهم شعار: “قوة في العقيدة… عمق في الإيمان… صلابة في الالتزام” عادوا وأضافوا عليها: “حطمت قيدي يا أمتي… فأشهدي هذي يدي”.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.