وماذا عن "السجن الكبير" ؟!
شر البلية ما يضحك.
فلقد قرأ الناس امس كلام الوزير زياد بارود واللواء أشرف ريفي عن وضع السجون في لبنان، وفيه ان هذه السجون، وخصوصاً سجن رومية، هي بمثابة قنابل موقوتة قد تنفجر في اي لحظة.
اذاً بارود اهربوا!
ولكن الى اين الهرب ايها التعساء، وانتم تعيشون فوق ارض مزروعة بالالغام التي تنفجر موسمياً او دورياً او عندما تطبق الاصابع الخارجية على الازرار الحمر؟
الى اين، وكيفما اتجهتم تقريباً في هذا البلد البائس، واينما ذهبتم، يكون السجن والسجّان، وتكون التعاسة في الحرية المرتعدة خوفاً ووجلاً اشد قسوة وألماً من حجز الحرية وراء القضبان وفي قبضة الاهمال والنسيان وتحقير عمق مشاعر الانسان؟
❑ ❑ ❑
إن الحديث عن وضع السجون الذي يشبه القنابل لا يشكل اكتشافاً جديداً، لأن السجون في لبنان كانت دائماً بمثابة قنابل موقوتة ترتفع "تكتكة" ساعاتها منذرة بالانفجار في اي لحظة.
فمنذ فرار السجين غارو في الستينات من القرن الماضي ومطاردة "الفرقة 16" له وقتله حينها، الى محاولة الفرار الفاشلة من سجن رومية قبل ايام، وقد نجح فيها احد السجناء من "فتح الاسلام" ويدعى احمد حاجي عيسى سليمان ثم اعتقل بعد ساعات، ظلّت حال السجون عندنا على ما هي عليه، وإن تكن الدولة السعيدة قد صورت تطوير سجن رومية في حينه بأنه عملية حضارية جعلت منه فندقاً من خمس نجوم، فإذا به مع الوقت والاهمال وغياب الدولة، وكان الله في عون الدولة وفي عون لبنان الغارق في وحول الحروب والانقسامات والمشاكل، اذا به يتحول فعلاً مستودعاً بشرياً يتأكله الاهمال وتنقصه ادنى درجات الحرص على المبدأ القائل إن السجين انسان يحتاج احياناً الى العقاب الممزوج بالاصلاح والتقويم.
❑ ❑ ❑
إن هذا الكلام لا ينحو باللائمة على احد، وخصوصاً في غياب الدولة او تغييبها المتمادي منذ زمن بعيد. ولكنه يحضّ على السؤال المضحك – المبكي:
اذا كانت السجون في لبنان قنابل موقوتة، فماذا عن السجن الكبير؟ سجن الـ 10452 كيلومتراً مربعاً، ذلك السجن الممتد من الناقورة الى النهر الكبير؟
واذا كانت السجون قنابل موقوتة، فهل ان لبنان من اقصاه الى اقصاه الجمهورية الفاضلة يا سندي؟ ام انه جنان تجري من تحتها الانهار وتعشعش في افيائها الملائكة وتطير في فنائها الفراشات والعذراى، وتتدفق في ساحاتها جداول الشئمة والشرف، وترتفع في حدائقها نوافير العقل والحنكة ويفيض فوق كل هذا حلم الله سبحانه وتعالى؟!
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
أولستم يا شعب لبنان العظيم، ويا ايها الشعب العنيد، في سجن بلا قضبان وبلا سجّان وبلا من يقوم على اطعامكم وحراستكم كما يصير في السجون؟!
أوليس الفرار من سجن رومية افرادياً، ومن السجن اللبناني الكبير بالمئات وبعشرات الآلاف من الابناء يخرجون هرباً فلا يعيدهم احد بل يعتبرون من سعداء الحظ وقد اسعفهم في الخروج من ارض المجانين… ويا للتعاسة؟
❑ ❑ ❑
واذا كانت السجون قنابل موقوتة، فهل يخفى على المسؤولين والسياسيين وعلى القادة المعظمين عندنا ان السجن اللبناني الكبير هو أرض مزروعة بالعبوات الموقوتة وبالألغام، وفيها ما فيها من المضادات للآليات وللأفراد، ومن القنابل العنقودية والعقول العنقودية ايضاً، ومن السيارات الملغومة التي حصدت العشرات لا بل المئات، كما فيها ما فيها من البنادق والمسدسات والخناجر والعصي والقبضات ما يكفي ليجعل من بلد الشرائع ووطن الاشعاع والنور مسلخاً بشرياً مفتوحاً على القتل والانفجارات والصراعات والحروب الدموية العبثية؟
اذا كان من الممكن، بقليل من العناية والجدية، حل مشكلة السجون في لبنان، وتفكيك صواعق الانفجار فيها من خلال الاجراءات الادارية وتأمين ما يلزم من أمكنة ومساحات وتجهيزات ووسائل مراقبة وتوجيه وعناية بشرية وتأهيل، فإن من رابع المستحيلات حل مشكلة السجن الكبير لأن الادارات السياسية والرسمية والطائفية والمذهبية التي تتعاقب على قيادة لبنان جعلت منه دائماً قنبلة موقوتة كبيرة ، ولأن ارادة السياسات والمصالح الاقليمية والدولية المتقاطعة فوقه تحرص على ابقاء ساعة صواعق التفجير فيه في حال من التكتكة والجهوزية، بينما تنخرط القبائل السارحة في ارجائه في التقاتل دائماً وهي تغني: "تكتك حجلكم جاوبوا حسّوننا".
أو: "جبلنا بدمنا ترابو جبلنا".
ويا لها من "جبلة"!