
باتت الأزمة اليمنية وعملية “عاصفة الحزم” التي تقودها المملكة العربية السعودية في مواجهة احتلال الحوثيين محافظات يمنية بالاشتراك مع قطعات من الجيش اليمني موالية للرئيس السابق علي عبدالله صالح، جزءاً أساسياً ووازناً من الخلافات اللبنانية الداخلية، ومن المشهد السياسي اللبناني.
وفضلاً عن تصدر “حزب الله” الهجوم على السعودية و”عاصفة الحزم” منذ بدايتها أواخر الشهر الماضي، والسجال العنيف الذي أطلقته مواقفه مع قيادات في قوى “14 آذار”، خصوصاً تيار “المستقبل” وردود زعيمه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري عليه، كما حصل أول من أمس، فإن الأوساط المراقبة للتصعيد الكلامي من قبل الحزب، أخذت تعتبر أن حضور هذه الأزمة في الداخل اللبناني لم يعد مجرد موقف سياسي من جانب الحزب بالتضامن مع الحوثيين وحلفائهم، بل هو أبعد من ذلك. وتشير هذه الأوساط الى حضور قادة يمنيين المهرجان الخطابي الذي نظمه الحزب أول من أمس في الصف الأول للرموز اللبنانية والفلسطينية الحليفة للحزب في المهرجان. وحضور القادة اليمنيين العلني، وفق هذه الأوساط، يعني أن نصرالله قرر الكشف عن تواجد من يناصرهم في اليمن، في لبنان، مؤكداً بذلك ما سبق أن ساقه مسؤولون يمنيون، من أن الحزب يحتضن في ضاحية بيروت الجنوبية نشاطاً تدريبياً ولوجستياً لدعم الحوثيين وحلفائهم، وللتواصل المباشر بينه وبين قيادتهم في اليمن، بدليل استناده في خطابه أكثر من مرة الى “معلوماتي” في حديثه وتوقعاته عن الرد الذي يمكن أن يهيئه الحوثيون على «عاصفة الحزم»، معتبراً أن احتمال تهديد الأراضي السعودية أصبح قطعياً، من قبلهم.
وتشير أوساط سياسية الى أن الحزب يحتضن في لبنان أيضاً بعض الشخصيات المؤيدة للرئيس السابق علي صالح، وبصرف النظر عن طبيعة هذا الاحتضان لرموز يمنية وطبيعة نشاطها في لبنان، فإن غير مصدر سياسي أخذ يقلق من ثقل الأزمة اليمنية على الوضع الداخلي، نظراً الى أن الخطاب التصعيدي لنصرالله حيال السعودية أخذ ينحو منحى تحريضياً ويساهم في شحن الأجواء المذهبية، لا سيما في حملته على السعودية والوهابية، يضاف الى ذلك اضطرار الحريري ورموز “المستقبل” الى الرد عليه أيضاً، ما يقوض الهدف الذي انعقد الحوار بينهما من أجله برعاية رئيس البرلمان نبيه بري، أي تخفيف الاحتقان المذهبي، وهو ما دفع بري عبر ممثله في الحوار وزير المال علي حسن خليل، في آخر جولة الثلثاء الماضي، الى مطالبة الفريقين بالتهدئة لأن الحملات المتبادلة تزيد من الاحتقان والتشنج بدلاً من خفض منسوبه. كما أن بعض الأوساط السياسية أخذ يطرح السؤال عن إمكان استمرار هذا الحوار في ظل التصعيد في حملة نصرالله، ورد “المستقبل” عليه، غير مستبعدة أن يصل الى مرحلة تجميده أو وقفه، على رغم تأكيد الفريقين مواصلته في كل موقف يصدر عن أي منهما.
وتربط الأوساط للمواقف الداخلية بالأزمة اليمنية كالآتي:
– أن فريق «14 آذار» وجمهوره لم يخف انتعاشه بانطلاق «عاصفة الحزم»، واقترانها مع نجاح الرياض في توحيد الموقف الخليجي والعربي الإجمالي، دعماً للعملية العسكرية، تجلى في القمة العربية في شـــرم الشيخ آخر الشهر، معطوفاً على قرار مبدئي بتشكيل قوة عربية مشتركة، يأمل هذا الفريق بأن تلعب دوراً في مــعالجة الأزمات العربية الأخرى، لاسيما الأزمة السورية، مستقبلاً.
ويعود انتعاش قوى “14 آذار” و”المستقبل” الى أن قادتها فوجئوا بالقرار السعودي رداً على اجتياح الحوثيين وحلفائهم اليمن، مثلما فوجئ “حزب الله” وإيران، إذ إن حلفاء المملكة مثل خصومها كانوا يتعاطون مع الوضع العربي على أنه منكفئ وغائب كلياً عن أزمات المنطقة تاركاً الساحة لإيران.
بل إن بعض قوى “14 آذار” أخذ ينظر الى القرار السعودي المدعوم عربياً ومن الدول الغربية على أنه أخذ ينعكس على الوضع السوري بنجاح المعارضة في التقدم في غير منطقة، ودعوا الى ترقب ما إذا كان هذا التوجه سيتواصل على أرض المعركة السورية… كما أن بعض “14 آذار” دعا الى ترقب مدى تأثير «عاصفة الحزم» على التعاطي الأميركي مع الدول العربية، في اتجاه أخذ مصالحها في الاعتبار، بالتزامن مع تهيؤ واشنطن للاتفاق النهائي مع إيران على برنامجها النووي، وهو ما يترجمه، وفق هؤلاء، شبه التبني للعملية السعودية في قرار مجلس الأمن الصادر الثلثاء الماضي، معتبرين أن الجانب الأميركي والدول الغربية أعطت مؤشراً الى دعمها قيام قوة إقليمية لها إمكانات عسكرية تساهم في حل الأزمات، في ظل قرار واشنطن القاطع باستحالة تدخلها العسكري في الإقليم، بدليل دعوة الرئيس باراك أوباما دول المنطقة الى التدخل بدلاً من مطالبته بذلك، لا سيما في سورية.
ويتحدث بعض قادة “14 آذار” عن معطيات بأن القرار السعودي خوض المواجهة مع الذراع الإيرانية في اليمن هو قرار مدرك سلفاً بأنها حرب طويلة الأمد، مهما كان الثمن، وأن فيها تضحيات، لكنها مصيرية للجانب العربي مع احتساب كل الاحتمالات فيها.
– أن فريقاً من قادة “14 آذار” يعتقد، بصرف النظر عن صحة تأثير “عاصفة الحزم” على سائر الوضع العربي، بوجوب التعاطي مع أهدافها المحددة عند انطلاقها، وهي إعادة الحوثيين الى حيث انطلقوا (صعدة وعمران) في توسعهم وسحب ميليشياتهم من المدن واسترداد الأسلحة التي غنموها من الجيش تمهيداً للعودة الى الحوار لإحياء عملية الانتقال السياسي الى نظام جديد فيه توزيع جديد للشراكة في السلطة السياسية، على قاعدة المبادرة الخليجية وقرارات الحوار الوطني التي اتخذت بإشراف الأمم المتحدة.
وتتفق أوساط حيادية مع هذه القراءة عند فريق قوى “14 آذار”، معتبرة أن السعودية اختارت توقيتاً مناسباً ومدروساً لإطلاق “عاصفة الحزم”، من عناصره المهمة أن الجانب الإيراني كان منتشياً بالمكاسب التي يعتبر أنه حققها، وفق تصريحات رموز عدة اعتبرت أن طهران باتت تسيطر على 4 عواصم عربية، وانشغال طهران بمعركة تحرير تكريت عبر اتفاقها مع واشنطن على أن تؤمن الأخيرة التغطية الجوية للمعركة (وهو ما تقوم به عاصفة الحزم في اليمن)، وانهماك طهران بالتفاوض على النووي في ظل اقتناع قادتها بأنه سيسبب خلافاً بين واشنطن والدول الخليجية، ثم الخلاف بين النظرة الأميركية والإيرانية الى مسألة رفع العقوبات وآلية الرقابة على البرنامج النووي، لا سيما التفتيش الصارم لمنشآتها على مدى 10 سنوات، إذ أكد أوباما أن لا تراجع عن آلية الرقابة المشددة. ويضيف هؤلاء أن من العوامل التي جعلت اللحظة السياسية مفيدة للقرار السعودي- العربي، أن روسيا أيدت التفسير الأميركي للرقابة المشددة على البرنامج النووي، وفق اتفاق الإطار الأولي.
وفي قراءة بعض رموز “14 آذار” وبعض الرموز المحايدين، أن الاتفاق النهائي على الملف النووي في حزيران (يونيو) المقبل ليس مضموناً مئة في المئة، لأن الهوة لم تُردم كلياً بين إدارة أوباما وبين المفاوض الإيراني، خلافاً لتوقعات إيران وحلفائها بأن اتفاق الإطار سيتسبب بخلاف بين البيت الأبيض والكونغرس، والتي جاء الاتفاق بينهما على إطلاع الكونغرس على تفاصيل الاتفاق النهائي وعلى حفظ مصالح إسرائيل، معاكساً لها.
ويدعو أصحاب هذه القراءة الى ترقب هذه العوامل كلها في الأشهر القليلة المقبلة، المحفوفة بالمخاطر، التي يمكن أن تشمل لبنان، بحكم حضور الأزمة اللبنانية في المشهد الداخلي.
– أن “حزب الله” بعد استيعاب الصدمة من مفاجأة القرار السعودي والالتفاف العربي حوله، اضطر لمواكبة سعي طهران لتفكيك هذا التضامن بالتواصل مع عمان وتركيا وباكستان للحؤول دون مشاركتها في «عاصفة الحزم»، برفع سقف هجومه على الرياض في شكل غير مسبوق الى درجة قطع خط الرجعة معها. ووفق أوساط سياسية، فإن «حزب الله» يبرر هذا المقدار من العدائية للمملكة بأن ليس لدى إيران إعلام كفؤ يستطيع الدفاع عن موقفها إزاء اتهامها بالسعي الى الهيمنة على اليمن والدول الخليجية، وأنه وطهران لن يسمحا لـ”عاصفة الحزم” بتحقيق الانتصار، أو باستثمار العملية المضادة على صعيد الإقليم، لا سيما في سورية، من أجل إضعاف نفوذ إيران وما حققته من مكاسب. ولذلك يركز الحزب على أن العملية ستفشل، متوعداً بردود عليها وملوحاً بأنها قد تشمل الداخل السعودي، مراهناً على استنزاف الرياض وقبولها بالحوار في ظل بقاء الحوثيين في المناطق التي سيطروا عليها.
إلا أن الأوساط المراقبة نفسها تشير الى افتقاد الحزب أي تأييد لبناني إسلامي لموقفه، وإلى انزعاجه من اضطرار بعض حلفائه السنة الى تأييد القرار السعودي على رغم قول السيد نصرالله إنه لا يلزم أياً من الحلفاء به.
– أن ثمة قوى حليفة لـ”حزب الله” تفضل المراقبة وتجنب الانحياز في موقفها، وتعطي إشارات متعددة الاتجاهات في انتظار اتضاح الصورة في الأشهر المقبلة، لتتعاطى مع الأوضاع وفقاً لاتجاه الرياح. وبعضها يرى أن القوى الإقليمية دخلت حرب استنزاف مجهولة النتائج وأبرز هذه القوى “التيار الوطني الحر”.