الهجمة الارتدادية الإقليمية لـ"قوى الممانعة" تبعث على التشاؤم بالنسبة إلى حسابات الاستقرار في لبنان والمنطقة
جامع مشترك بين الهجوم على البطريرك والهجوم على المحكمة
ما الجامع المشترك بين الهجوم المستجدّ على المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان، والهجوم الغريب على مكانة الكنيسة المارونيّة وعلاقتها الدينيّة بل اللاهوتيّة بأرض لبنان، والهجوم المتزايد على إتفاق الطائف والدستور اللبنانيّ وصيغة المناصفة، والهجوم الذي يشتدّ وضوحاً على رئاسة الجمهوريّة، شخصاً وموقعاً تحكيميّاً، ومؤسسة؟
وما الجامع المشترك بين كل أشكال الهجوم هذه وبين تعطيل التأليف الحكوميّ؟
وما الجامع المشترك بين أكثر من رأي سمعناه حول كيفية التعايش مع محنة التأليف إن طالت؟ بين من يرى أن البلاد لا حاجة ماسة لها لمجلس وزراء، وبين من يدعو إلى إعادة تشغيل حكومة تصريف الأعمال كما لو كانت حكومة أصيلة، وبين من يتخوّف من حصول "قلاقل" أو يهدّد بها لا فرق، ويضاف معشر الحالمين بتجديد مناخات 7 أيّار؟
لا شكّ أن الجامع المشترك بين كلّ ذلك هو قرار قمّة الرئيسين الإيرانيّ محمود أحمدي نجاد والسوريّ بشّار الأسد القيام بهجمة مرتدة من أبرز عناوينها محاصرة الثورة الخضراء في إيران، وإستباق القرار الظنيّ للمحكمة الدوليّة في لبنان، ومحاولة التأثير على الإنتخابات العراقية من خلال تهديد الإستقرار النامي فوق أرض السواد والطعن في التجربة الديموقراطيّة الفتيّة.
وفي الشأن اللبنانيّ تحديداً، فإنه قبل وبعد صدور القرار بتنظيم جبهة مرتدة إقليميّة جديدة ثمّة مشكلة مزمنة لمعسكر الممانعة ليس فقط مع النظام السياسي اللبنانيّ، بل أيضاً مع الوجود الكيانيّ لهذا البلد، ومع موقع الكنيسة المارونيّة المركزيّ بالنسبة إلى هذا الوجود.
لأجل ذلك، ينبغي التوقف عند التشاؤم السياسيّ الذي عبّرت عنه تصريحات الأيّام الأخيرة للبطريرك المارونيّ، في دعوته إلى الخروج من الضائقة الحالّة بالبلاد.
هذا التشاؤم السياسيّ يتجاوز مسألة التعرّض إلى الكنيسة وسيّدها، أو التعرّض إلى الدستور ومواده، أو إعتراض سبيل التشكيل الحكوميّ.
إنّه تشاؤم يربط ما بين تردّي حال السياسة من جهة وتردّي حال الأخلاق عند بعض المتعاطين بالسياسة في لبنان من جهة أخرى، خصوصاً أنّ هؤلاء صاروا يدمنون التبشير بالحسم الأمنيّ، للرّد هذه المرة على مؤامرة الشعب اللبناني في 7 حزيران، يوم أعاد الشعب هذه الأكثرية وبزخم أقوى.
فغاية هذا التشاؤم السياسيّ وضع الناس، وتحديداً المسيحيين، أمام مسؤولياتهم الكيانيّة والتاريخيّة، الأمر الذي يوضح أكثر فأكثر أن خوف البطريرك الماروني على مصير لبنان إن فاز فريق بعينه فيها ليس خوفاً إنتخابياً في شيء، ولا خوفاً عابراً، بل إنّه مسؤولية يلتزم بها تجاه كنيسته ورعيته: وهو أنه يستشعر الخطرَ، من موقعه الكنسيّ الأساسيّ، فيتقدّم الصفوف لتقويم الإعوجاج.
والتشاؤم السياسيّ يعني اليوم الخوف على نتائج الإنتخابات بعد وصول محاولة الإلتفاف إليها والإنقضاض عليها إلى حدّ مثير للخشية، ومدعاة تنبّه وإستباق.
لكن التشاؤم يتصل أيضاً بأن الجامع المشترك بين أنواع الهجوم على المحكمة الدولية والبطريرك ورئاسة الجمهورية والطائف والدستور هو الهجوم على لبنان الكيان ومشروع قيام الدولة فيه، ولبنان الصيغة، صيغة المناصفة الإسلامية المسيحية بجميع أبعادها القيمية والمؤسسية والحضارية.
حتى إذا ما عدنا إلى الهجوم على البطريرك نصر الله بطرس صفير بعينه، نرى أنّه إفتئات ليس على إيمان يسكنه أو على موقف يبديه، وإنّما وقبل كلّ شيء، على حقّه في التشاؤم من أمور لا يمكن إزاءها أن تشعر الفطرة الإنسانيّة الأولى بغير التشاؤم