#dfp #adsense

للتاريخ… ذكرى 26 نيسان

حجم الخط

ليس 26 نيسان 2005، مجرد يوم للذكرى فحسب، بل هو عبارة عن خاتمة لذكريات أليمة بدأت منذ عام 1976 نتيجة دخول الجيش السوري إلى لبنان ومحاولة نظامه الهيمنة على القرار اللبناني الحرّ. وقد حصل في الحرب اللبنانية مواجهات عدة لـ”القوات اللبنانية” مع الجيش السوري، خيّل للمسيحيين انها انتهت بعد الموافقة على وثيقة الوفاق الوطني في الطائف، وتسليم “القوات” سلاحها إلى الدولة، وتأسيسها حزباً سياسيّاً يتّبع الوسائل الديمقراطيّة للوصول إلى السلطة، وتطبيق مشروعه القائم على التعددية وحريّة الانسان و”لبنان أولاً”. بدا واضحاً أن حرب الخليج الثانية شكّلت فرصة ذهبية لسوريا للمقايضة على لبنان، فغطّت الدخول الأميركي الى الخليج العربي مقابل التغاضي الأميركي والغربي عن بسط نفوذها على لبنان والإطاحة بمضمون اتفاق الطائف وروحه.

وكان واضحاً، أن النظام السوري كان يسعى الى الإمساك بمفاصل الحياة السياسية في لبنان والاستمرار في الهيمنة على القرار اللبناني. ولا شك في أن “القوات” كانت من العقبات الأساسية أمام إتمام مشروعه بعدما واجهته عسكرياً خلال اعوام عدة، وحافظت على توازن معيّن سمح برسم خطوط حمر على ما اصطلح على تسميته “المناطق الشرقية المحرّرة”.

كشف قائد “القوات” سمير جعجع ورفاقه نيّات النظام السوري، فأعلن الاستنفار لعودة المقاومة لكن بنضال سلميّ وسلاح مدنيّ لا عسكريّ، فشنّ خلال الاحتفال بقداس الشهداء عام 1991 أعنف هجوم سياسي على السلطة التي كان السوري يبنيها، وأعلن رفض كل منطق المحاصصة الذي كان أركان السلطة يدعونه إليه. بدا واضحاً أن استيعاب “القوات اللبنانية” ليس أمراً يسيراً، فبدأت حملة رسائل أمنية في حق القواتيين.

كل هذه الأحداث والتطوّرات، أدّت إلى انعاش المقاومة ولو بوجه آخر ووسائل مختلفة، لأن “القوات” عصيّة عن الحلّ إذ تعبّر عن حالة نضالية لمقاومة عمرها أكثر من 1400 عام،  تستمر في كل مرحلة وفق المقتضيات التي تفرضها الظروف. لذلك، كان من غير المنطقيّ حلّ “القوات” عملياً، لذا بقيت فاعلة ومستمرة.

قرار حلّ الحزب عام 1994 جاء مخالفاً لأبسط القواعد القانونية، لأنه تمّ قبل صدور أي حكم أو قرار قضائي بإدانة الحزب في تهمة تفجير كنيسة سيدة النجاة، مما يؤكد أن القرار صدر بخلفية سياسيّة بحتة. فمجلس الوزراء يومذاك، وبإيعاز سوري، اتخذ القرار من دون انتظار حكم القضاء.

لذلك، فإن حلّ الحزب بالشكل الذي تمّ فيه من دون ثبوت ضلوع “القوات” كهيئة معنوية في التهمة المنسوبة إليها، يعتبر مخالفاً لكل القوانين والأعراف. كما أنه، وتأكيداً للأمر، تمّ اعتقال الدكتور سمير جعجع وسوقه الى سجن وزارة الدفاع حيث أبقي فيه 11 عاماً، وهو سجن غير شرعي، وتمّ تشريعه في وقت لاحق لتغطية ما يحصل من مخالفات هائلة وإعطاء طابع قانوني لما يجري.

مرحلة الاضطهاد لم تستثنِ أي كادر قواتي. آلاف الشباب سيقوا الى السجون والمعتقلات وأخضعوا للتحقيقات من دون اي مسوّغ قانوني لدى أجهزة الاستخبارات وبلا استنابات قضائيّة. من “البالانكو” الى الكرسي والدولاب و”الفروج” وكرسي الكهرباء الى الكثير الكثير من أساليب ابتدعها خيال النظام الأمني، الذي ارتاح بعد ضرب “القوات” وبدأ يرسي أساليبه من دون أي رادع قانوني.

لم تغيّر “القوات” ثوابتها، وانعكس هذا الأمر في خطابها، ورغم الضغوط الهائلة، ساهمت في النضال طوال حقبة الاحتلال السوري، وكانت جزءاً اساسيّاً في “ثورة الأرز”.

بعد انسحاب الجيش السوري وبزوغ فجر الحرية على لبنان، انطلقت عام 2005 بحلّة جديدة، وراحت قيادتها تبني حزباً ديمقراطياً معاصراً، ناشطاً في الحياة السياسيّة الوطنيّة، من دون أن يتخلى عن مفهوم المقاومة الذي ارتبط بتاريخه.

لكن رغم الانسحاب السوري عام 2005، لم تتوقّف محاولات النظام للهيمنة على البلد على نحو مباشر وغير مباشر، وكانت أوضحها المخطط الذي كان ينفّذه ميشال سماحة بالتعاون رأس النظام، والتحالف مع النفوذ الايرانيّة الآخذ في التصاعد بواسطة “حزب الله”. صحيح ان “القوات” دخلت مرحلة جديدة، الاّ انها لا تزال ملتزمة حماية مجتمعها بما يعنيه من واجب وتضحية وشهادة.

لقد ناضلت وحاربت،‏ لأن قدرها الأبدي المأساوي في لبنان والشرق، ولبنان هو قلب الشرق ‏كيانياً وجغرافياً، أن يعيش دائماً في الخطر وان تبقى أبداً في المرصاد. لقد كانت أول من ‏اختبر المواجهة الصعبة مع الجيش السوري في الأشرفية وزحلة وبشري وبلاّ ‏وحدث الجبة وبريسات والديمان وقنات.

كلّما كانت الدولة في خطر والكيان في خطر والجمهورية في خطر، يعود “أدرينالين” المقاومة ليضخ في شرايين شبابها. ولا تزال “القوات اللبنانية” مع حلفائها، تواجه ما يهدّد الكيان اللبناني وكل من يسعى إلى تغيير وجه لبنان.

لقد وجدت “القوات” وسائل أخرى للمقاومة في هذه المرحلة غير السلاح، وهو سلاح التعايش الاسلامي – المسيحي دفاعاً عن الكيان المهدد اكثر من اي وقت مضى، متحصّنة بمواقف صلبة وجريئة تثبّت الهويّة اللبنانية رغم كل الضغوط، ليبقى لبنان وطن الحرية والقيم الاخلاقية والسيادة التامة والاستقلال الناجز. هكذا تبدو مقاومة “القوات” الجديدة كأنها مقاومة العين للمخرز، أيّ عين السياسة والقلم والورقة والحرية التي تقاوم مخرز القتل المستمر. فخلال الحرب كانت مقاومة “القوات” بالسلاح، ولكنها تحوّلت في المرحلة الجديدة إلى المقاومة بالديمقراطية والوسائل السلمية والمدنية، وهي تخوضها بكلّ جرأة ووضوح والتزام.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل