
جرحتم القلب والله بالقلم، سطراً سطراً حرفاً حرفاً تغلغلت الدماء، سكنت الشرايين، انسكب الحبر، امتلأ الكأس، الصفحات كأس القلب، جرعة بعد جرعة، سكرت الحرية، طاف الوطن كرامة، لا يحتمل ديكتاتور هذا الكم من الكرامة، لا يعرف معنى الكلمة، لم يعشها يوما، لم يقرأ الاغبياء الذين يلحقون به أبجدية مماثلة، تعجبهم السطور المكتوبة سلفا على صفحات التبعية.
لا يقبل الاستزلام منطق التفلّت من سلاسل الحديد الملتفة على رقبة عبد، هي معركة تاريخية منذ الازل، صراع الاحرار والعبيد، حرب الديكتاتور والانسان، أحيانا ولوهلة يستشهد الانسان ويعيش الديكتاتور لكن وعندما تنتهي الوهلة نكتشف أن في الاستشهاد عاش الانسان ومات الديكتاتور الف مرة. 6 آيار ليس عيد شهداء الصحافة، لا أراه كذلك، هو عيد موت الديكتاتور، موت العبيد، نشوة الحرية.
أنسرد الاسماء؟ أنقول جبران التويني وسمير قصير وسليم اللوزي ورياض طه و…و… وكل من سقط، وكل من هو مشروع سقوط بالنسبة لمن ظن انه بالسيف قطع نهر الحبر فيض الكرامة علينا؟
يا أغبياء هؤلاء لم يسقطوا، هؤلاء نحن، حبرهم قلمنا، عمرهم الذي غاب عن سمعنا ما زال يدوي في قدرنا، هناك تحت في ساحة الشهداء وسط بيروت، بيروت الشعاع والضياء وسماء العرب والغرب وحرية الانسان. انظروا هناك ما زالت أطياف المشانق معلّقة، هياكل السيارات التي فجّرتم تنتظر على قارعة الحرية المشهد الآتي، حتماً وأكيد هو آت، رائحة عطر الدماء، نزق الحبر، الحبر الكحلي اللون الذي حفر كخنجر في جسد عبد حروف النار واللهب من ريح السماء وشعاع الله، كلمات الانسان، ضياء الحرية.
لم يمت شهداء الصحافة، لم يمت بعد شهيد من وطني يا مجرمين، هم نحن، انظروا الى الحبر الذي تقرأونه، إقرأوا وجوههم وعيونهم التي حفرت فينا الدمع بالتأكيد. لكن ثمة ما هو أبعد وأعمق وأهم من الدمع والحزن، الغضب والثورة والحق، انظروا الى وجوهنا سترون جبران التويني يصرخ، جبران يا ريح القلم الهادر بشباب العمر كله، سترون سمير قصير ما زال يبتسم وسيبقى يبتسم، سيعود اليكم سليم اللوزي بالاصابع المبتورة التي حاولتم أن تكتبوا لنا عبرها، أول دروس الاذعان ولم يفعلوا ولن يفعلوها الان بالطبع.
انزلوا الى ساحة الشهداء، هناك تحت تمثال الحرية هم يعصفون، نحن نعصف، نعصف بكم رياحا هوجاء وأنتم تحاولون التمسّك بآخر الاغصان المتدلية خراباً. لم تقف الحروف بعد، لم ينشف الحبر بعد كما كنتم تشتهون، ما زالوا يكتبون قصائد الكرامة، سطراً بعد سطر، الاف السطور وانتم تمعنون في موتكم، أنتم لا تستشهدون الاستشهاد لنا، لهم، هم أصحاب القلم الحب، هم الحرية، نحن القضية والانسان والضوء ولبنان، وانتم الاموات وليس الشهداء ولن تعرفوا الشهادة يوما لان الله لا يختار المجرمين ليرتفعوا الى حضن التضحية بالذات لاجل وطن.
لكم قعر الانسان حيث اللاشيء الذي تهرعون اليه منذ نحو خمسين عاما، ولهم ضوء السماء وحبرهم والوطن الذي صاروا بعضا من بيرقه، وكم هو رائع أن كلما قبّلنا لبنان تطبع القبلة على جبين قلم ما هو نحن، هو الحرية، هو أنت يا وطن القلب والعمر والحبر الابيض الاحمر قوس قزح الكرامة…
