
بين القتل باسم الدين والقبول بالآخر
اشتباك العلاقة بين السنة والشيعة على خلفية العلاقة بين العرب وايران
الدكتورة منى فياض
حول دور الدين والعلاقة بالآخر
لنتفق منذ البداية ان الأمر لا يتعلق بالدين، بل بالبشر وسياساتهم في كل ما له صلة بالممارسات التي تعلق على مشجب الأديان. هذا دون التقليل من أهمية النقد وضرورة مراجعة التأويلات والأدبيات المتطرفة السائدة للدين عبر حركة إصلاح ديني صارت أكثر من ضرورية.
فالتطرف (ومثله الاعتدال بالإذن من ياسين الحاج صالح) هو توصيف لعلاقة بين الناس، تقوم على الاستبعاد أو التقارب، وينعكس على صوغ العلاقة بين الأطراف باستنادهم الى العقائد لإضفاء الشرعية على موقفهم الذي يلغي أطرافا أخرى.
فحتى الإمام علي نفسه كان يعتبر القرآن “حمّال أوجه”. فكل حزب يستطيع أن يجد في القرآن ما يؤيد رأيه. ومن هذا المنطلق لا يمكن للنصوص مهما كانت ان نحمّلها المسؤولية عن العلاقة بالآخر أو عن العنف والارهاب الممارسان باسم الدين.
هذا دون ان نغفل عن ان الارهاب والعنف باسم الدين طالما مارسته الجماعات المأزومة او التي تملك مشروعاً سياسياً ترغب بفرضه. ولا يغيب عن بالنا أنّه تمّ اضطهاد أعداد من النساء والرجال أو استعبادهم أو قتلهم ببساطة باسم المسيح على مرّ القرون. تماماً كما يفعل إرهابيو اللحظة الراهنة وعلى أنواعهم باسم الاسلام. سواء إرهاب الحركات الأصولية او الارهاب الملتحف بلحاف “شرعيات” سواء دولة ما او حكومة.
ونذكّر هنا بكمال الصليبي
الذي نقل عنه مؤخرا محمود الزيباوي خريطة الهجرات الداخلية
تشير أبحاث كمال الصليبي الى تاريخ طويل للتحولات الديموغرافية المتعددة وتغير التركيبة السكانية للبنان والمنطقة بحسب ظروفها الجيوسياسية وبحسب صعود الدول وزوالها وعلى خلفية القمع والاضطهاد او التسامح والغلبة. وغالباً لا يتم على أساس اقتناع عقائدي او ايماني بالدين بل بحسب تبدلات المصالح السياسية.
والارجح ان الامور تتم كالتالي: عند حصول تغيرات كبرى بسبب الحروب او تبدل الدول او السلالات تتغير خريطة الولاء الديني بما يتماشى مع انتماء السلطة الحاكمة. فتحصل حركتان في نفس الوقت، حركة تغيير اماكن الانتشار وحركة تغيير الولاء. وبين هاتين الحركتين يحصل اعادة توزيع للانتشار الديني والمذهبي الجيوسياسي.
- النقطة الاولى: الصراع السني \ الشيعي
الامام علي الأب الروحي للتشيع، المكانة الخاصة
لم تختلف أمة في رجل بمثل ما اختلفت في علي بن ابي طالب. آمن الكثير من المسلمين بألوهية الامام علي مع ان احدا لم يقل بألوهية محمد. كما ان التاريخ الاسلامي لم يشهد رجلاً تفرقت الجماعة، من اجله، مثله.
علي الوردي: من يدرس تاريخ العلويين (بمعنى شيعة علي) يجدهم ثوارا من طراز عجيب. ولم يمر في تاريخ الاسلام جيل دون ان يسمع الناس بخبر ثورة جامحة قام بها رجل من العلويين او من ينتسب اليهم.
ويبدو ان عليا كان لا يهتم بطقوس الدين بقدر اهتمامه بالعدل الاجتماعي فهو كان يدعو الى مبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية بين الناس جميعا لا فرق بين شريف ومشروف او بين عربي ومولى. ولما اخذ يطبق هذا المبدأ في العرب كرهوه.
قتل علي في المسجد غيلة. يقال ان عليا هتف عندما احس بلذع السيف في رأسه وقال:” فزت ورب الكعبة”. وهذه الجملة تشير الى مدى الالم النفسي الذي كان عليا يشعر به في أواخر ايامه.
ملّ علي الناس وملّوه، وملأوا قلبه قيحا – كما كان يقول. فجاءت ضربة ابن ملجم على رأسه بمثابة الانقاذ.
أخفق علي في ميدان السياسة، ونجح في ميدان آخر هو ميدان الثورة الاجتماعية التي لا يخمد لها أوار.
الصراع قبلي بامتياز
تعود أصول الصراع بين المذهبين السني والشيعي الى الخلاف على خلافة الرسول. فهو صراع سياسي بامتياز يدور حول السلطة. ولنقل باختصار، ان الشيعة بمجملهم يعتقدون ان الخلافة كان يجب ان تؤول الى علي، ابن عم الرسول وصهره، زوج ابنته فاطمة. أي انهم كانوا يميلون الى إرساء شرعية سلالية، معتبرين ان الخلفاء يجب ان يُختاروا من عائلة النبي. وبالعكس، نجد أن اهل السنة يؤمنون بأن النبي لم يوص لأحد بالخلافة بل تركها شورى يختار الناس لها ما يشاؤون.
جاء عباس العقاد برأي حاول عبره ان يتوسط بين عقيدة الشيعة وعقيدة اهل السنة في قضية الخلافة. فهو يعتقد ان النبي كان يحب عليا ويحببه الى الناس لكي يمهد له سبل الخلافة من بعده. والنبي برأي العقاد لم يرد ان يفرض رغبته هذه على الناس، انما اراد ان يختاره الناس طواعية وحباً.
لكن هذا الرأي لا يرضي الطرفين.
ان رجال الدين من الشيعة والسنة يتنازعون على أساس قبلي كما يتنازع البدو في الصحراء. فكل فريق ينظر الى مساوئ خصمه ويرفضه، وكل حزب بما لديهم فرحون. قد يستغرب القارئ اذا علم بان كلتا الطائفتين كانتا في اول الأمر من حزب واحد، وان الذين فرقوا بينهم هم السلاطين ووعاظ السلاطين.
في عهد الدولة الاموية كان الشيعة واهل السنة يؤلفون حزب الثورة. إذ كان الشيعة يثورون على الدولة بسيوفهم، بينما أهل السنة يثورون عليهم بأحاديثهم النبوية- هؤلاء كانوا ينهون عن المنكر بألسنتهم، وأولئك كانوا ينهون عنه بأيديهم.
ومما تجدر الاشارة اليه ان مصطلح “أهل السنة والجماعة” لم يظهر في التاريخ الا ايام المتوكل في العصر العباسي. وكانوا قبل ذلك يدعون “أهل الحديث”. و”الحديث” و”السنة” لفظتان مترادفتان من بعض الوجوه.
ومن يدرس سيرة أهل الحديث أثناء الحكم الاموي يجدهم كانوا على عداء مستحكم ضد الحكم الطاغي. (فلهاوزن)… ايد اهل الحديث الدولة فترة قصيرة 2 سنتان اثناء حكم عمر عبد العزيز الذي لم يكن امويا بل راشديا متأثرا بسيرة جده من أمه….
اننا لا نبعد عن الصواب اذا قلنا بأن اهل الحديث لم يكونوا اقل من الشيعة عداء للامويين ومعارضة لهم. انما كانوا يختلفون عن الشيعة بشيء واحد: هو أنهم لجأوا الى سلاح الحديث يجمعونه ويصقلونه ليحاربوا الظلم والترف والطغيان الذي كان سائدا في ذلك العهد.
- النقطة الثانية: ايران قبل الثورة، مسيرة الاستحواذ على التشيع
الصفويون والتشيع
ظل الفرس يحملون راية التسنن في الإسلام حتى ظهر الصفويون وقد استخدموا شتى الوسائل لإكراه الفرس على دخول مذهب التشيع. ولجأوا الى الاضطهاد والقتل والتعذيب في هذا السبيل. المفارقة أن شعارهم في ذلك كان :”يا عليّ!”. !!!
ويشبه هذا الاضطهاد المذهبي الذي قام به الصفويون في ايران ما قام به الايوبيون قبل ذلك في مصر من اضطهاد للتشيع اثر قضائهم على دولة الفاطميين هنالك.
افتراضات متعددة حاولت شرح تشيع الصفويين الذين كانوا قديما من البدو الشيعة الذين اضطهدتهم الامبراطورية العثمانية، حاولوا ان يوجدوا سلطة موازية للسنة المسيطرين على العالم الاسلامي في تلك المرحلة.
لكن فرضه بالقوة على المجتمع الفارسي في تلك الفترة كان بداية تحول دمج الشيعة الاثني عشرية بالإيرانية، أي الهوية الألفية لدولة متعددة الاعراق. .. ولم يصبح التماثل بين الشيعة والايرانية واقعا الا مع السلالة القاجارية في أواخر القرن الثامن عشر، لتدوم حتى العام 1924. يشهد على ذلك الوضع المتقلقل للشيعة في القرن الثامن عشر، عندما حاول الشاه نادر ان يعيد إرساء المذهب السني في ايران على أثر التهديدات التي جابهه بها الافغان، لكن مقاومة رجال الدين الشيعة أحبطت هذه المحاولة. من هنا يمكن الحديث عن اهتداء ثان الى الشيعية: الاول كان عن طريق السلطة السياسية اما الثاني فكان من فعل رجال الدين.
وهكذا فإن سلطة مضادة –من رجال الدين- بدأت تتركز في البلاد، وهي سلطة قوية بمقدار ما هي مستقلة مادياً.
عندما صار التشيع في عهد الصفويين مذهبا قوميا في ايران، اصطبغ من جراء ذلك بصبغة الغرور القومي وامسى عقيدة سلطانية خامدة – لا تختلف- عن اي عقيدة اخرى من عقائد السلاطين. و النزاع الطائفي بين الشيعة والسنة لم يتخذ شكلاً صارخاً إلا أثناء التنافس بين العثمانيين والصفويين على العراق.
كان للصفويين دور كبير في تاريخ التشيع. وقد يصح القول – كما يرى علي الوردي- هنا بان الصفويين خدّروا مذهب التشيّع وروّضوه. فأزالوا عنه النزعة الثورية التي كانت لاصقة به في العهود السابقة، وجعلوه مذهباً رسمياً لا يختلف عن غيره من المذاهب الدينية الاخرى.
وبهذا دخل التشيع في طاحونة السلاطين فاختفت منه تلك الروح الوثابة التي بعثها فيه علي وأولاده على توالي الأجيال.
كان علي بن أبي طالب أنشودة الثورة في تاريخ الاسلام كله، لكنه أصبح على يد الصفويين ألعوبة تمثّل في المسارح.
شتان ما بين ممارسة التشيع على أيدي الايرانيين وما بين الشعار القديم الذي اتخذه زيد بن علي وابو حنيفة، اي شعار الثورة على الظلم في شتى صوره… تحولت ممارسة التشيع من قبل الدولة – الدينية الايرانية الى ممارسة للظلم والطغيان والاحتلال والوقوف الى جانب المعتدي وهنا لا فرق بين الظالم الشيعي أو الظالم السني.
ان هدف الدين هو العدل الاجتماعي. فكيف لمن يزعم انتماءه الى مذهب علي ان يمارس الظلم والطغيان؟
من هنا بروز علي شريعتي قبل الثورة وتمييزه بين شيعيتين: شيعة الدولة الصفوية – مع رجال دين فاسدين وغير نافعين – وشيعة علي، صهر النبي، حيث يتجسد الصراع من أجل العدالة والحقيقة. لكن بقيت الثورة على مسافة من علي شريعتي الذي توفي قبل انتصارها. والآن صارت أكثر ابتعاداً عنه.
ايران: دور خاص لرجال الدين يسميهم البعض اكليروس
ابتداء من المرحلة القاجارية بدأ رجال الدين يتمتعون باستقلالية تامة عن الدولة واخذت هبات الشيعة وإرثهم تذهب الى رجال الدين من دون المرور بالدولة. وهكذا نال رجال الدين في القرن التاسع عشر حظوة فائقة، لأن هذه الأموال والأوقاف كانت توزع على المحرومين وتستعمل لإنشاء المدارس القرآنية…. ومع هيكلة الهيئة الدينية وتأطيرها وتحديد مسؤولياتها ودورها في العمل الاجتماعي وجدت نفسها في موقع قوة؛ وشكلت إكليروس منظم وقوي ومستقل.
لم يشكل رجال الدين طيلة تلك المرحلة سلطة سياسية مضادة، لكن امتيازاتهم الاجتماعية لم تمس، واستقلاليتهم المالية – وهي القاعدة الحقيقية في مواجهة دولة آل بهلوي العصرية- بقيت قائمة. اما سياسة التحديث التي اتبعها الشاه محمد رضا فكانت تزيد من الظلم الاجتماعي. وللجم الاستياء منها كان القمع يطال مختلف طبقات المجتمع، بمزيد من القسوة شملت رجال الدين المعارضين الذين كانوا ينفون الى الخارج – وبخاصة الخميني الذي وجد ملجأ في العراق. وقامت الثورة كما نعلم وللمرة الاولى في التاريخ اصبحت الشيعية في ايران دين دولة. كان رجال الدين الشيعة، الواثقين من سلطتهم وأهمية رسالتهم، سيستولون على دولة مهمة ويحكمون مجتمعا اكثريته شيعية. وهذا لم يحصل ابدا في الماضي, وهو الحدث الاهم في تاريخ الشيعة وفي الصحوة الشيعية.
- النقطة الثالثة: ايران بعد الثورة: ازدواجية السياسة
منذ 1979 تتبع ايران، كقوة اقليمية، سياسة خاصة. فعلى الصعيد الاقليمي تندرج سياستها الخارجية في استمرارية السياسة التقليدية الايرانية، اي المحافظة على النفوذ وتدارك اي تهديد من جانب منافسيها التقليديين: روسيا وتركيا والعربية السعودية وباكستان. فديبلوماسيتها حذرة تضعها في خدمة بلد فريد ومعزول، وهذا ما يفسر الاحتراس الذي يبقى هدفه الاول الأمن الداخلي والخارجي للبلاد والاستقرار على حدودها، لأن ايران تقوم على نواة شيعية يحيط بها طوق من الاقليات الوطنية غير الشيعية وذات ميول انفصالية غير معلنة صراحة، قد تشكل نقاطاً واهية ومناطق اختراق لأعداء محتملين. (وحراك الأحوازيين العرب الشيعة في ايران دليل على ذلك).
نقطة الارتكاز الثانية تبدو معكوسة، فإيران تطمح لأن تؤدي دور قائد عالمي للثورة الاسلامية، باسم “الجامعة الشيعية” التي تهدف لا الى التنسيق بين الطوائف الشيعية، بعد الاستحواذ عليها، وحدها بل الى ارساء اسلام شيعي شامل هدفه اسلمة العالم. لا شك في ان هنالك صلة أكيدة بين نقطتي الارتكاز هاتين: ” الجامعة الشيعية” تعزز مواقع الدولة الايرانية كعامل اقليمي، ووجود ملاذ للشيعة الاثني عشرية يقوي الرابطة الشيعية ويشجع بدون شك إرادة هداية العالم الاسلامي الى الشيعية او بالأحرى تعزيز موقعها العالمي كما تشهد التطورات.
ونجدها هنا كالاتحاد السوفياتي في مرحلة “الاشتراكية في بلد واحد”. هذه المقارنة بالاتحاد السوفياتي لا تعني المحتوى الايديولوجي، بل وجود قطاع مزدوج من الحوافز في الحالين، احدهما سياسي، سلطوي، والاخر ايديولوجي. من هنا سياسة المزج والفصل في وسائل العمل، في آن واحد. فلا فرق بين دولة دينية ودولة ذات ايديولوجية.
فديبلوماسية الدولة تجهل او تتجاهل وسائل التخريب والارهاب التي قد تضطر اجهزة المخابرات الايرانية خاصة لاعتمادها خدمة لأهدافها في الشرق الاوسط، في اوروبا او في أجزاء اخرى من العالم. وفي الوقت نفسه يندمج الجهازان على مستوى القرار. اما ما يمكن تعديله فالتوقيت ودرجة التواتر في هذا القطاع او ذاك. 70135882
هنا نعود الى الاتحاد السوفياتي حيث لم يكن فيه الا سلطة واحدة مسؤولة هي الحزب، الذي كان قادرا على اقامة علاقات ديبلوماسية سليمة بأسوأ أعداء الشيوعية (هذا ما تجهد ايران في إرسائه مؤخراً)، كما كان في وسعه ان يقوم بالتجسس والتخريب وإنشاء خلايا لهذه الغاية في البلدان الرأسمالية. وفي إيران يبدو الوضع مشابها مع تعقيد اضافي كون المرجع ليس حزباً بل رجل دين مقدس ويعد ظل الله على الارض. رسميا هناك إدارة واحدة رسمية برعاية روحاني المنتخب “بديموقراطية”؟، لكنها تأتمر بأمر السلطة المطلقة للولي الفقيه. هذا التقسيم يجعلها قادرة على ان تقيم، بواسطة الدولة، شبكة علاقات ديبلوماسية مع أكثرية بلدان العالم، لكن ديبلوماسييها لن يترددوا في حث الاقليات الشيعية، حيث وجدت، على القيام باي عمل تخريبي. فإيران لا تتصرف كدولة بل كدولة وكحزب في آن معاً وكمرجعية مقدسة من الملزم الخضوع المطلق لها.
وكالاتحاد السوفياتي الذي اتبع خلال 70عاما من عمره، سياسة يدفعها محرك بثلاث سرعات:
– الاولى تقضي باعتماد الوسائل الدبلوماسية التقليدية، باعتبار ان الاتحاد كما يعرّف نفسه، هو في خدمة الثورة العالمية، وهذا حتى بعد التراجع الستاليني عن “الاشتراكية في بلد واحد”. (مباحثاتها حول النووي مع 5+1).
– السرعة الثانية تعمل على تشجيع قيام نظام شيوعي قيام نظام حكم شيوعي كلما كان ذلك ممكنا، او الانقلابات بواسطة الاجهزة العسكرية والديبلوماسية. (فإيران تطالب علناً بتصدير ثورتها- بواسطة التخريب، والمال السياسي وتشجع المعارضات الشيعية: لبنان، البحرين، اليمن وسوريا وضع خاص)
– اما السرعة الثالثة ففي تحصيل فوائد الانتصار في البلد المعني لتقوية الدولة ونظامها وهيمنتها اذا لمنقل محاولتها الاستعمارية. (استخدامها لهذا النفوذ كأوراق ضغط ومساومة مع الغرب)
هذا المنهج، المتبع ضمن “دائرة جدلية” يتنوع بتنوع اهمية الاوضاع واولويتها بحسب المراحل. يظهر ان دولة مؤسسة على الايديولوجيا، علمانية كانت او دينية، لا تقود سياستها الخارجية كسائر الدول. فالايديولوجيا – والدين في حالة ايران- هي دائما حاضرة كسبب او كنتيجة، كهدف او كحجة.
ومنذ العام 1979 عززت ايران في البداية الخريطة الشيعية مقابل الخريطة عبر – الايرانية ، لانها تفضل الاعتماد على الطوائف الشيعية غير الايرانية – الهزارة في افغانستان والشيعة في جنوب لبنان والعلويين في سوريا والحوثيين في اليمن– اكثر منها على جماعات ايرانية عرقيا – كالاكراد والطاجيك. هذه الجامعة الشيعية، كغاية ووسيلة للدبلوماسية الايرانية، هي في الوقت عينه تعبير أساسي عن الحركة الثوروية التي تسعى ايران آيات الله لتعميمها على مجمل أرض الإسلام.
وعلى غرار الاتحاد السوفياتي الذي كان في امكانه الاعتماد على دعم الاحزاب الشيوعية في مختلف مناطق العالم، فان ايران أوجدت لها جماعات شيعية تدعمها تحت مسميات عدة، ركيزتها الاولى التي نجحت حزب الله. ومن ثم تكاثرت الاحزاب اللهية والانصار وانواع الحشود وغيرهم…
إن تعقيدات نقطة الارتكاز الايديولوجية هذه كبيرة. فمع ان المذهب الشيعي لا يركن الى مفهوم الامة التي تحمل خطر تقسيم الاسلام، والمفكرون المسلمون الشيعة حذّروا دائما من الواقع الوطني او المدني. لكن المفارقة، ونقطة الضعف هنا، ان ايران نفسها دمجت بين شيعيتها وقوميتها الايرانية وجعلتهما أمرا واحداً. فعندما تدعو الى تبعية الشيعة للجامعة الشيعية ومركزها الدولة \الأمة الايرانية فإنها تطرح عليهم التحدي الصعب بالتخلي عن انتمائهم القومي أي عروبتهم. فكيف يمكنهم ذلك على خلفية الصراع التاريخي وحمولة العداء الذي أججته ممارسات ايران نفسها واعتداءاتها بوجه مفضوح منذ الثورة السورية!! وأضافت اليها التبجح والاستفزاز مؤخراً؟
لقد فقدت آخر ادعاءاتها بدفاعها عن المظلومية والمظلومين وتحولت الى الظلم والاستبداد. ودائما تحت شعارات براقة، آخرها تصريح قال فيه روحاني إن “دينهم هو دين الكتاب وثورتهم هي ثورة الكتاب وانتشرت مع الكتاب، وإن الرسالة والمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق النظام الإيراني اليوم هي نشر ثقافة الأخلاق”.
العراق نموذجاً:
الوقائع العراقية كانت ضد هذه الجدلية في البداية وخلال الحرب التي شنها صدام على ايران. ردة فعل ايران الوطنية كانت تأمين الدفاع عن نفسها لرد المحتل. وفي مرحلة ثانية كان الايرانيون يأملون بأن ينتفض الشيعة العراقيون ضد صدام حسين، وان يتحول هذا الاعتداء الى تقدم للشيعية في الشرق الاوسط. لكن هذه التوقعات لم تصح حينها، وفشل امتداد الثورة الايرانية في حال الحرب الدفاعية ضد العراق.
هدف ايران في العراق، منذ الأساس، اضعاف العروبة. ولقد عبر احد مسؤوليها عن ذلك علناً مؤخراً. وهي ساعدت لذلك على إنشاء حزب الدعوة الموجه ضد الشيوعية وضد حزب البعث. لكن قوة الهوية الوطنية شكلت عائقاً ضد المذهبية، وعنى التعاطف مع ايران الشيعية تعاطفاً مع مذهب الاعداء. الشيعة العراقيون كانوا ينظرون اليهم كأعداء تاريخيين للعرب ومن هنا تفضيل العراقيين في الحرب الايرانية انتماءهم الوطني والعربي. لكن للأسف لم يتم تقدير ذلك من العرب وظلوا يخضعون للتمييز والتنكيل وكان من عواقب حرب صدام على الكويت ان ادت الى انتفاضة شيعية قمعت ورمت بالشيعة الى احضان ايران وتخلى العرب عن العراق وترك بين ايدي الاميركيين المتواطئين مع ايران.
لماذا تتغافل ايران عن هذه المسألة القومية الحساسة؟ ذلك ان المسؤولين في طهران يعتبرون شيعة المنطقة في خدمة ايران، لان ايران هي في خدمة الشيعية لكنها تنسى ان تضيف الايرانية!! اي ما تزعم انه الاسلام الحقيقي. انها حركة دائمة في الاتجاهين تظهر من خلال التصرفات والحوافز ذات الطابع المزدوج، الايديولوجي والسياسي. وهذه السياسات التسلطية تحت غطاء من البراغماتية بقيادة رجل دين هو الولي الفقيه خامنئي!!
ان الرؤيوية الشيعية، وان كانت غالبا مضمرة، فهي تبقى مع ذلك من مرتكزات الدولة الايرانية وطموحاتها. لكن هذه الشيعية، كملهم للمواقف الجيوسياسية في ايران، تبقى عاملاً أقل أهمية مما نتصور!!! بدليل تعاملها مع مكونات سنية مثل حماس او الاخوان او غيرهم … انها سياسة فئوية لفئة او نظام حاكم يحافظ على مصالحه باسم الدين. وهذا ما يختلط بالأذهان عند تقويم أداء ايران فتوصف “بالدولة البراغماتية”.
قبل ان ننهي هذه النقطة يجب التشديد على ان اي ايديولوجية لا تموت بسهولة عندما تستند الى سلطة دولة.
ما تغير الآن
الحذر الذي اتسمت به الديبلوماسية الايرانية، حتى ما قبل الثورة في سوريا، كي تحد من نفوذ اخصامها اكثر من اظهارها ارادة التوسع تبخر مؤخراً. ذلك ان نجاح سياساتها الهجومية وسلسلة اعتداءاتها وتخريبها في المنطقة العربية اورثها التبجح والغرور وفقدان الاتزان. وتؤكد الاحداث انها تعد ما يدور الان مرحلة للوصول الى الامبراطورية الايرانية \ الشيعية.. جميع المظاهر تدل على ان الدولة الاسلامية تحولت الى وريثة للأمبراطورية الفارسية على جميع الصعد مع مسحة قداسة افتقدتها الاخيرة.
- النقطة الرابعة، الخلفية المساعدة للهجمة الايرانية: الاستبعاد والتهميش للشيعة العرب
كتب أحد صحافيي الاخبار في وصف حال الشيعة العرب ما يلي:
“تاريخياً، ما كانت حال شيعة العراق ولبنان واليمن والبحرين والسعودية، هل سعت هذه الأنظمة لدمجهم وقبولهم في نسيجها الوطني؟ هل عاملتهم كمواطنين متساويين بالحقوق والواجبات؟ بالتأكيد لا، بل العكس تماماً، إذ مارست النخب الحاكمة كل السياسات التي تضمن استدامة تخلفهم وتهميشهم وإقصائهم، وتعرضوا لشتى أنواع التنكيل والاحتقار والازدراء السلطوي والاجتماعي على مدى عقود في ظل صمت مدو بارد”.
يكتب باحث فرنسي محايد أن (فرنسوا تويال) : منذ قامت المملكة الوهابية في أوائل القرن التاسع عشر، كان هم الوهابيين، تدمير اماكن الشيعة المقدسة في العراق. . لكن هذه المملكة قضي عليها بفعل عمل مشترك بين الاتراك والمصريين. وفيما بعد دأبت السلطات السعودية على تنويع سياستها إزاء الشيعة، بين المراقبة والقمع ومحاولات الدمج.
هناك مشكلة تسمى الأقليات في العالم العربي. وبعيدا عن المغالاة لا شك ان الشيعة العرب كانوا دائما اقلية مستبعدة، اجتماعيا وسياسيا؛ وبروز الاسلام الشيعي بقوة في ايران عزّز طموح هذه الجماعات وتسبب تاليا بقلق حكومات المنطقة. فهل يفترض، تبعا لذلك التفكير بأن هؤلاء الشيعة يشكلون “طابورا خامسا” لطهران؟ سيكون ذلك من باب التبسيط، لانهم أيضا عرب ، حتى لو كانت أصول البعض منهم ايرانية. والعروبة تحديدا تطرح عليهم مشكلة اختيار الهوية.
ايكونون شيعة قبل كل شيء، ما يفترض فيهم ان يديروا وجوههم نحو الوطن الجديد للشيعية الذي تجسده ايران آيات الله؟ ام هم عرب أولاً، يمارسون مذهبا مختلفا في الاسلام؟ ويحصل الاعتراف بهم كعرب وكمسلمين متساوين في المواطنية والحقوق؟ على الجواب عن هذه التساؤلات يتوقف نجاح السياسة الشيعية التي تتبعها ايران او فشلها. كما يتوقف الأمر على نجاح الدول والحكومات العربية في مراجعة سياساتها جذرياً فيما يتعلق بالأقليات على انواعها، وخصوصاً الشيعية منها.
ان أزمة هوية العرب الشيعة في بلادنا تقودنا الى تساؤلات تتخطى المجال الطائفي لتطال اندماج هذه الجماعات في أنظمة ومجتمعات ذات أكثرية. وهذه المسالة ليست بسيطة تطرح للبحث والنقاش فحسب، بل يتوقف على حلها استقرار واحدة من أهم مناطق العالم.
. ان شيعة الخليج، من حدود العراق الى تخوم عُمان، يراكمون التحديات: التوازن بين الطوائف على الصعيد الديني، الاستبعاد الاجتماعي، وتذرع ايران بمطالبهم للضغط على جيرانها. حتى لو بقيت المطالب الشيعية منفصلة عن المسألة الإيرانية، فستبقى عاملاً مؤثرا في استقرار دول المنطقة. فكيف مع التغول الايراني؟
- النقطة الخامسة: لبنان واليقظة الشيعية
تحرك مزدوج: ديموغرافي وهوياتي
عانى الشيعة اللبنانيين من التهميش والاستبعاد والقمع تحت الحكم العثماني ولم يتم الاعتراف بمذهبهم. لكن منذ الاعتراف بلبنان وباستقلال الدولة اللبنانية تغيرت وضعيتهم القانونية والاجتماعية وتحولوا الى مواطنين متساوين مع سائر اللبنانيين. لكن للتهميش والقمع المزمنين منذ حقبة السلطنة ذيول وآثار اجتماعية بالطبع لا تزول بين يوم وليلة. الى جانب أنهم عانوا من التهميش والاهمال الذي عانت منه الأطراف الريفية لسائر الطوائف. خصوصية الشيعة اللبنانيين تكمن في مسألتين، علاقتهم بالإقطاع السياسي الذي خضعوا له ولم يساهم جدياً في تحسين ظروفهم في الدولة الناشئة ونظامها المحاصصاتي في ظل المارونية السياسية. لكن الظروف الموضوعية التي ساهمت في تفاقم وضعهم مصدره محاذاتهم لفلسطين فكانوا تبعاً لذلك أول المتضررين من الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين على وجهين: الأول انقطاعهم عن المجال الحيوي الاقتصادي والاجتماعي التي كانت تشكله لهم فلسطين؛ وثانياً اللجوء الفلسطيني الذي شكل عاملاً منافساً اقتصادياً وثقلاً ديموغرافياً. فحصلت هجرة اولى مكثفة للشيعة الذين انقطعت ابواب رزقهم نحو مناطق العاصمة. أما الهجرة الثانية فكانت بعد الاعتداءات الاسرائيلية المتمادية على الجنوب في ظل عجز وإهمال الدولة اللبنانية. لكن أن يوضع تهميش الشيعة و”اضطهادهم” في لبنان على قدم المساواة مع ما يحصل في بلدان الخليج ففي هذا مبالغة وتزوير للوقائع وجحود!!
تميزت الستينات من القرن المنصرم إذن بتكاثر سكاني ونزوح الى بيروت مع تحسن في وضعية الشيعة الاجتماعية تبعاً لسياسات الشهابية التنموية . وبرز في نفس الوقت رجل الدين الشيعي الآتي من طهران، اي موسى الصدر، الذي بعث روحاً جديدة فيهم فالتفوا حول خطابه السياسي الشيعي الواضح وتحت شعار “حركة المحرومين”. وانطلقت في تلك الفترة ظاهرة انبعاث شيعية او عودة الى الشيعية تحت قيادة الصدر.
صعود القوة الديموغرافية وتثبيت هوية الطائفة ترافق مع انطلاق الثورة الايرانية… هذه العودة كان لا بد من أن تشد الأواصر بين شيعة ايران ولبنان.
هذا التحرك المزدوج، على صعيد الديموغرافيا والهوية، لم يتأخر ليجد تعبيره السياسي. وكانت المناسبة انطلاق الحرب. أضيف الاجتياح الاسرائيلي الى الحرب مقدماً الفرصة الذهبية للثورة الايرانية الصاعدة لكي تضع يدها على القضية الفلسطينية عبر شيعة لبنان فأوجدت حزب الله الذي التفت حوله الفئات المحرومة بما فيها بعض جمهور حركة أمل الشيعية. وأكثر من ذلك، التف حوله المسلمون العرب في أول تخطي للصراع السني الشيعي بعد تحرير الجنوب في العالم 2000 . وكانت أول مرة يكون فيها للعرب بطل شيعي من دون منازع هو نصرالله. لكنه، ومن خلفه ايران، قضى على مشروع مصالحة تاريخي بين السنة والشيعة العرب في الفترة التي كان لا يزال يقاوم فيها ضد اسرائيل عبر ارتداده الى الداخل من حرب تموز الى 7 أيار الى القمصان السود والانقلاب على الحكومة الشرعية كما على نتائج الانتخابات مع منع اجرائها الى منع انتخاب رئيس وذلك وصولاً الى دخول سوريا دفاعا عن النظام السوري وصولاً الى اليمن.
وتم احتكار حزب الله للمقاومة وللطائفة جاعلاً منها كتلة متراصة جامدة محولاً الشيعة من اتباعه في لبنان الى جنود منتشرين في الاوطان العربية في خدمة ايران.
بعد ان كانت طائفة حيوية تحتوي تيارات فكرية وسياسية متعددة وتعبر عن تناقضاتها بحرية:
عبر التعارض الذي عرفته على مستوى مسؤوليها بين رجال الدين من جهة والعلمانيين من جهة اخرى وتنافسهم فيما مضى على قيادة الطائفة، كما بين شيعة اليسار وشيعة الاكثر تدينا من جهة واليمين من جهة اخرى. توحدت الطائفة خلف سيد واحد للطائفة وحزبها المسلح كدولة.
الخلفية التي سمحت باستمرارية الظاهرة كان المنطق الذي تستبطنه في جميع هذه المواجهات وهو الارادة الصلبة لدى مختلف التنظيمات الشيعية بالخروج نهائياً من وضعهم كطائفة من درجة ثانية. الشيعة على مختلف درجاتهم كانوا يسعون الى الاعتراف بهم سياسيا بنسبة ما هم ديموغرافيا. الديموغرافيا تغذي دائما الطموح لإدارة شؤون لبنان السياسية. المشكلة ان كل طائفة عندما تشعر بالاستقواء ترغب بالسيطرة منفردة. الأكيد الآن ان الشيعة لن يكتفوا بان يكونوا احد الطوائف الرئيسية في لبنان، بل يردون المشاركة في السلطة. لكن ذلك يعني في الممارسة الحالية محاولة مصادرتها و الهيمنة عليها.
- النقطة السادسة: هل يمكن الخروج من مأزق الصراع المذهبي لصالح الامن القومي العربي؟
اذا كان الامر كذلك فان المواطنية الصحيحة وحكم القانون والمساواة هي الحل وهوما يتفق حالياً على تسميته بالدولة المدنية. و الشعار الذي يرفعه حزب الله: دولة قوية وعادلة، شعار محق؛ ولكن لا يمكن ان يتحقق في ظل تبعية الحزب الديني \ المذهبي، الواضع يده على السلطة، لصالح حكم اجنبي وغريب ألا وهو إيران.
التحديات كبيرة: هل سيتمكن شيعة لبنان من ان يستعيدوا حرية قرارهم وانتماءهم الى وطنهم؟ بحيث يبقوا على مسافة من حماتهم ؟ ام الايرانيين (بعد زوال نفوذ السوريين) سيمنعونهم من اي استقلالية ؟
وفيما عدا انتظار التغيرات في ايران نفسها والتي تعاني من غليان داخلي، ما الذي يساعدهم على ذلك؟
صراع الهويات هذا، سبق ان عانت اوروبا من صراعات اكثر دموية منه واستطاعت أن تتخطى مشاكلها عندما اعتمدت القانون مرجعا وحيدا للعلاقات بين الناس كمواطنين متساوين وعندما اعترفت بحرية العقيدة المطلقة وفصلت بين الدين والدولة وعندما نمّت الانسان وحسّنت ظروفه على جميع الصعد، الرمزي منها والاجتماعي والاقتصادي، وأعطته تربية متوازنة ومنسجمة مع أهداف المواطنية.
وعندما تعاني بلداننا مما تعاني منه من يمزق وتشرذم وهجمة قوى ذات أطماع تاريخية لا بد من ممارسة سياسة التمييز الايجابي بأفضل صوره. إن الخروج من الوضعية التي نطلق فيها على سمة التعدد التي نتمتع بها اسماء من مثل “أقليات” مقابل “أكثريات فذلك يتطلب في مرحلة اولى أكثر من المساواة، “يتطلب ممارسة “التمييز الايجابي” (على شاكلة الكوتا للنساء) وعلى جميع الصعد لهذه “الأقليات” كي تحصل على حقوق متساوية وكي تشعر انها تعيش في وطنها وليست مضطرة للجوء الى أوطان أخرى لتحصيل بعض الحقوق المرفوضة في وطنها. كما يتطلب حركة إصلاح ديني جذرية.
تجربة لبنان التي يمكن ان تنجح مع بعض الاصلاح واعادة التوازن، كما تجربة تونس، التجربتان تصلحان للاسترشاد بالنسبة للدول العربية للتعامل مع اقلياتها.