قبل البحث في نظام جديد وفي تعديلات دستورية لإثارة الخلافات
مطلوب الاتفاق أولاً على قيام دولة واحدة ووطن واحد
يرى مرجع ديني انه قبل البحث في صيغة نظام جديد للبنان وفي دستور جديد وكيف يتم انتخاب الرؤساء وتشكيل الحكومات ينبغي الاتفاق أولاً على قيام دولة قوية قادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، إذ بدون قيام هذه الدولة لن يكون وطن مستقل سيد حر، اذ لا وطن من دون دولة. واذا لم تقم هذه الدولة حتى الآن، فلأن استقلالها لم يكن كاملاً وسيادتها كانت منتقصة وقرارها الحر مصادراً، والاستقلال الذي ناله لبنان عام 1943 لم يحافظ عليه ابناؤه بسبب انقسامهم بين شرق وغرب، فتحول لبنان، بفعل هذا الانقسام ساحة لصراعات المحاور عوض ان يكون واحة وئام وسلام.
وكانت بداية انقسامهم عام 1958 مما افسح في المجال لتدخل شرق مع فئة لبنانية وغرب مع فئة اخرى، وكانت أيضاً بداية اول اشتباك مسلح بينهما انتهى بالاتفاق على انتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية، الذي سعى جاهداً لاقامة الدولة اللبنانية القوية وتفعيل عمل مؤسساتها وارساء قواعد اصلاحها وتشديد المراقبة لمكافحة اعمال الفساد فيها، وجعل اللبنانيين يشعرون بأنهم يعيشون في دولة حرّة سيدة مستقلة لا يتدخل في شؤونها الداخلية احد ولا تفرض عليها سياسة محاور تجرها الى الحرب. فمنذ اجتماع الخيمة الشهير ورمزيته ودلالته، جعل الرئيس عبد الناصر لا يطلب من لبنان ما يطلبه من الدول العربية الأخرى لادراكه ان للبنان خصائص وطاقة محدّدة ليس في امكانه ان يطلب اكثر منها، وقد تفهم موقف لبنان، الذي لم يقطع علاقاته الديبلوماسية مع فرنسا ابان الازمة الجزائرية ولم يحاول ان يفرض رأيه بطريقة أو أخرى، وفي المقابل تفهم الرئيس شهاب القضايا العربية الكبرى وفي مقدمها القضية الفلسطينية، لكن الرئيس عبد الناصر تفهم من جهته قدرة لبنان وخصوصيته، فاكتفى منه بأن يكون دولة مساندة لا دولة مواجهة مع اسرائيل.
أما في الداخل فان الرئيس شهاب حاول ان يبني دولة القانون بحيث تكون هناك مؤسسات تعمل باستقلالية تامة ومن غير الارتهان لرجال السياسة او الطوائف فأنشأ مجلس الخدمة المدنية وديوان المحاسبة وهيئة التفتيش المركزي، فلم يكن قرار واحد لأي من هذه الهيئات والأجهزة يتم نقضه او تجاوزه في مجلس الوزراء والذي كان يحرص بدوره على تعيين الموثوق بعلمهم وكفايتهم ونزاهتهم في المناصب الحساسة.
ورغم كل ما حققه الرئيس شهاب من أجل بناء دولة الحق والقانون والمؤسسات، فانه ذكر في بيان عزوفه عن الترشح لولاية ثانية أسباب ذلك وهي: "ان المؤسسات السياسية اللبنانية والأصول التقليدية في العمل السياسي لم تعد تشكل أداة صالحة للنهوض بلبنان وفقاً لما تفرضه السبعينات في جميع الميادين، وذلك ان مؤسساتنا التي تجاوزتها الأنظمة الحديثة في كثير من النواحي سعياً وراء فعالية الحكم، وقوانينها الانتخابية التي فرضتها احداث عابرة وموقتة ونظامنا الاقتصادي الذي يسهل سوء تطبيقه قيام الاحتكارات" كل ذلك لا يفسح في المجال للقيام بعمل جدي على "الصعيد الوطني" والغاية من هذا العمل الجدي، هي الوصول الى تركيز ديموقراطية برلمانية أصيلة صحيحة ومستقرة، والى إلغاء الاحتكارات ليتوفر العيش الكريم والحياة الفضلى للبنانيين في اطار نظام اقتصادي حر سليم يتيح سبل العمل وتكافؤ الفرص للمواطنين، بحيث تتأمن للجميع الافادة من عطاءات الديموقراطية الاقتصادية والاجتماعية. وختم الرئيس شهاب هذا البيان بالقول: "ان الاتصالات العديدة التي اجريتها والدراسات التي قمت بها، عززت اقتناعي بأن البلاد ليست مهيأة بعد، ولا معدة لتقبل تحولات لا يمكنني تصور اعتمادها الا في اطار احترام الشرعية والحريات الاساسية التي طالما تمسكت بها".
وفي عهد الرئيس شارل حلو فرض السلاح الفلسطيني خارج شرعية الدولة توقيع "اتفاق القاهرة" الذي شرع انطلاق العمليات الفدائية الفلسطينية من الجنوب فكان رد اسرائيل عليها سلسلة اجتياحات بلغ احدها العاصمة بيروت وكبدت اللبنانيين عموماً والجنوبيين خصوصاً خسائر بشرية ومادية فادحة.
وفي عهد الرئيس سليمان فرنجيه وبعد فشل محاولة اخضاع المخيمات الفلسطينية لسلطة الدولة، ازداد التسلح فيها نوعاً وكماً بحيث بات مساوياً لقوة الدولة فأدى ذلك الى حروب داخلية كانت في الواقع حروب الآخرين على أرض لبنان وخدمة لمصالحهم، انقسم اللبنانيون على انفسهم وانقسم الجيش والمؤسسات، وبات لبنان خاضعاً لحكم الدويلات بحيث تسيطر كل واحدة منها على مناطق… وفي عهد الرئيس الياس سركيس استمر حكم الدويلات المسلحة، فاضطر الى ادارة الازمة لعجزه عن حلها، وحاول ان يجعل ما تبقى من الدولة خارج حروب الدويلات كي يحافظ على العملة الوطنية. وتولت حفظ الأمن فيها "قوة ردع عربية" كانت السيطرة فيها لسوريا رغم ان هذه القوة وضعت على الورق في قمة الرياض في تصرف رئيس الجمهورية اللبنانية… ثم اصبحت قوة سورية صرفة…
وحاول عهد الرئيس امين الجميل الاستغناء عن هذه القوة والاعتماد على قوات الدولة اللبنانية من دون سواها لأن دولة القانون والمؤسسات لا تقوم بقوات مستعارة بل بقوات ذاتية، لكن المحاولة لم تنجح لأن الخارج وبعض الداخل كان مع بقاء القوات السورية في لبنان الى أجل غير معروف رغم ان اتفاق الطائف حدد مهلة سنتين فقط كي تعيد تمركزها في منطقة البقاع.
واستطاع عهد الرئيس الياس الهراوي اعادة الدويلات الى الدولة بفضل وجود القوات السورية التي اعتبرت الحكومات المتعاقبة في بياناتها الوزارية والمجالس النيابية ان وجود هذه القوات "شرعي وضروري وموقت"… واستمر هذا الوضع الشاذ في عهد الرئيس اميل لحود ولم تقم الدولة القوية القادرة بقواتها الذاتية، بل بقوات مستعارة ومعلوم ان "الثوب العياري ما بيدفي"…
ويواجه عهد الرئيس ميشال سليمان بعد انسحاب القوات السورية من لبنان، وجود سلاح خارج الشرعية، هو سلاح "حزب الله" وكونه سلاح لمقاومة اسرائيل ولتحرير الاراضي اللبنانية الباقية التي تحتلها، فهو مقدس وممنوع مسّه… ويستمر الخلاف بين اللبنانيين وزعمائهم على تقرير مصير هذا السلاح وقد تفاقم هذا الخلاف بعدما تحول الى الداخل في 7 أيار.
والسؤال الذي لا جواب عليه حتى الآن هو: هل يستطيع الرئيس سليمان اقامة الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها، فلا يكون سلاح غير سلاحها ولا سلطة غير سلطتها ولا قانون غير قانونها، ام تبقى دولة والى جانبها دويلة او دويلات لديها اسلحة تفوق اسلحة الدولة كماً ونوعاً، فيضطر كما اضطر اسلافه الى ادارة الازمات او التوازنات ريثما يتحقق السلام الشامل في المنطقة ولا يعود عندئذ مبرر لوجود اي سلاح خارج الشرعية؟ وما دام لا دولة في لبنان قوية وقادرة على حماية جميع ابنائها فان اي نظام واي دستور يبقى تطبيقهما خاضعاً ليس لدولة واحدة بل لاتفاق بين كل الدويلات…
ولا بدّ حيال هذا الوضع الشاذ الذي مر المرجع الديني بايجاز على مراحله، من التذكير بما قاله الوزير السابق فؤاد بطرس في خاتمة مذكراته: "ازمتنا ازمة وطن وكيان وليست ازمة سياسية عادية او حكومية، لذا ينبغي معالجتها بالاستناد الى مفاهيم ومقاييس تتصدى لجوهر الازمة لا لظواهرها وان مفهوم المواطنة ومرتكزاتها هو الذي يفرض ماهية المعالجة. اذ ثمة رابطة بين المواطنة والايمان بالعيش المشترك في اطار دولة ديموقراطية واحدة ومستقلة ذات سيادة في الداخل وتجاه الخارج تخضع للقانون وليس لمزاج الحاكم ولا لرغبته ولارادته التعسفية وتكون مرآة للوطن وتجلياته. ورابطة المواطنة هذه اذا كانت صادقة وفعالة، طغت على اي رابطة أخرى كالطائفية والعائلية، وان المأساة التي نعيشها تفرض الاهتمام بتأمين ثقافة ديموقراطية للمواطنين وللحكام على السواء، فلبنان أصبح مهدداً في كيانه ووجوده وهويته وقدرته على ان يشكل وطناً بالمعنى الصحيح بالنظر الى تعارض بل تناقض تصور ابنائه للدولة والوطن ووجهة نظرهم بالنسبة الى الطائفية ودورها بحيث يصح ان يتساءل اللبنانيون الى اي فئة انتموا والعالم اجمع: الى اي مدى ثمة قابلية لأن يكون لبنان دولة ووطناً بالمعنى الصحيح والسليم؟ هذه هي المعضلة التي ينبغي مواجهتها والتصدي لها بدون مواربة وتكاذب وتحايل".