#adsense

“سجون وساحات” – ماغي رفيق سعادة: عشرة أعوام على طريق السجن

حجم الخط

حُكم على ماغي وكلارا بالسجن عشر سنوات في قضية إغتيال الياس الزايك، الاسمان لم يردا لا في القرار الظني ولا ترافع عنهما أحد ولا سُمع بالإسمين لدى تلاوة الحكم. إلا أن الأم والبنت الصغيرة سجنتا مع رفيق سعادة الزوج والأب على طريق سجني وزارة الدفاع وروميه طوال 10 أعوام. توقف الزمن في بيت تلك العائلة كل ذلك الوقت. ماغي تلملم دموعها عندما تتذكر “أشكر ربي أنه أعطاني كلارا”. ضحكة الصغيرة ورِفقتها الى السجن كل ثلثاء وخميس خففّت عنها ثقل الصليب. ومن ضعفها البريء إستمدت قوة الأم المناضلة التي تدافع عن عائلتها بكل ما أوتيت من الأسلحة.

يوم خرج رفيق بدّلوا البيت، أعادت ماغي توقيت الساعة، ومن الصفر بدءا مع كلارا حياة جديدة دخل إليها لاحقًا شربل الذي صار اليوم في السابعة، بعده التحقت يارا بالعائلة السعيدة وهي في الرابعة.

ماغي وكلارا قصة إيمان ونضال دوّنت على سجل الشرف الذي فتحته “القوات اللبنانية” قبل 40 عامًا تقريبًا،من فصولها إخترنا مع المناضلتين هذه الومضات.

كيف علمت ماغي أبي عتمة زوجة رفيق سعادة بتوقيف زوجها بعدما اختفى؟ وكيف أمضت الأعوام العشرة وهو مسجون؟

“تفلفش” في صفحات الماضي التي طوتها الى غير رجعة “تغصّ” لإبعاد شهقة البكاء والقهر وتروي.

“قبل أن يتوقف رفيق بأسبوع أي قبل 15 نيسان 1994 أرسلت مخابرات الجيش بطلبه ليوقّع كما كل شباب “القوات اللبنانية” آنذاك، على تعهّد عدم مزاولة أي عمل سياسي أو حزبي. ذهب ووقع. بعد أسبوع وفيما كان رفيق يعمل في مشتل الورد الذي يملكه مع شقيقي وكنت أعمل معهما عندما رنّ الهاتف، طلبوا رفيق مجددًا، كان المحقق على الخط. قال لرفيق: “في شغلة ما سألناك عنها المرة الماضية، فيك تمرق بس إذا في مجال؟”. توجه رفيق صوبي، أعطاني ما كان معه من نقود في جيبه، فك سلسلة الذهب والصليب من عنقه وقال لي: “ماغي أنا رايح، من هلق لساعة ونصف إذا ما رجعت شوفوا شو بدكن تعملوا”.

ساعات مرّت ولم يعد رفيق، سأل شقيقه عنه في كل المراكز الأمنية وكانوا يقولون له: “ليس عندنا”، إلى أن عرفنا في الليل أنه قد تم توقيفه كغيره من الشباب في تلك الحقبة.

في اليوم التالي تابعنا التفتيش عنه من حالات الى بيروت، في كل الثكن والمراكز الأمنية التي يحتمل أن يكون فيها ولم نجده. لا أحد. رفيق إختفى!

بعد ليلة من إعتقال الدكتور سمير جعجع ذُكر إسم رفيق في نشرة الأخبار المسائية وأنه موقوف مع الحكيم في وزارة الدفاع، كانت تلك المرة الأولى التي نعرف فيها مصير رفيق. إنهيار كامل. كنت حاملًا في الشهر السادس ولم يكن قد مرّ على زواجنا أكثر من تسعة أشهر.

المصيبة كانت أكبر من أن أتحمّلها، غِبت عن الوعي، وإستفقت على صوت الدكتور طوني عيسى يهدئ من روعي ويقول: “بسيطة بكرا بيطّلعوه، ما تخافي ولو!” كيف سيخرجونه كنت أقول في نفسي ما دام المعلم الكبير صار بين أيديهم!؟ راحت عليهم. خلص”.

تتابع بألم كأن الماضي يعيش اليوم: “بعد 27 يومًا على توقيفه إتصلوا من السجن يريدون ثيابًا له، مع أنهم طوال هذه المدة لم يسمحوا لنا بمواجهته ولا حتى الإطمئنان عليه، قالوا لسلفي: “إذا بدكن تشوفوا رفيق تعوا بكرا 3.30 الى نظارة العدلية وجيبولوا معكن تياب”. ماغي لم تكن تعرف أن الاتصال لم يكن الأول وأنهم اتصلوا من السجن يطلبون ثيابًا لرفيق أخذها أخوه جوزف ووالده الى سجن الوزارة سرًا كي لا تصرّ ماغي على مرافقتهما وهي حامل في شهرها السابع. يومها عادا بثيابه المضرّجة بالدم والممزقة وأحرقاها خوفاً من أن تراها ماغي وتعرف ماذا فعلوا برفيق.

تكمل ماغي: “إنتظرناه في رواق في العدلية، وكنا نرى الشباب يمرّون من أمامنا يجرجِرون أقدامهم لكثرة الضرب والتعذيب الذي لحق بهم، مرّ أمامي الرفيق أندريه عبيد، عانقناه جميعنا وقال لي “لا تخافي رفيق بيطلع”، سألته: ” وأنت؟” ردّ: “أنا يومين وبكون ان الله راد، برّا”.

دخلنا لرؤية رفيق، لم يتمكن من الوقوف ليسلّم علينا. كان أمام المحقق العدلي القاضي عبد الله البيطار. حماتي من آل البيطار أيضًا فطمأنها أن رفيق سيخرج في غضون أسبوع في ما لو تعاون وقال المطلوب منه. أنا بادرت رفيق فورًا وسألته إذا ما عرف أن الحكيم موقوف في وزارة الدفاع؟. نهرَني العسكري فوراً لأن الكلام في السياسة ممنوع، فقط الأحاديث العائلية مسموحة، فراح رفيق يسألني ما إذا زرت طبيبتي وما إذا عرفت جنس الجنين… في نهاية الزيارة طلب مني أن أنتبه على نفسي وطفلنا، وخرجنا.

منذ ذلك التاريخ تقريبًا بدأت المعاناة وبدأنا نمشي طريق الجلجلة كل يوم ثلثاء وخميس لزيارته في سجن وزارة الدفاع”.

من خلف العازل الزجاجي كان يراهم. ولدت طفلته كلارا وخرجت ماغي من المستشفى. “نادتني عمّة رفيق وهي جارتنا “تعي حكي مع رفيق”، لم أصدّق، ركضت أخذت السماعة فكان على الخط الآخر ابو شريف السجّان “إحكي مع رفيق”، فورًا كلمني زوجي قال: “شو كيف الصبي؟” أجبته أنها فتاة وأن عليه أن يختار لها إسمًا؟ كان ينتظر الصبي وكان يحلم أن يسميه شربل فقال لي: “سمّيها أنت”. كلمتان وانقطع الخط. بعد يومين ذهبت والدته لزيارته أخذت معها المغلي والبقلاوة لم يسمحوا لها بإدخالها”. تغرق عيناها بالدمع الساخن، ليتني لم أرسل له شيئاً، اعتقدت أن لهم أحاسيس”.

كلارا صار إسم الصغيرة التي كتب لها ان ترى النور من ظلمة سجن والدها، على اسم صديقة القديس فرنسيس الأسيزي، كلارا الصبية الجميلة إبنة العائلة الغنية التي تركت العزّ والثروة ولحقت بفرنسيس تخدم البرص وتزور المرضى المتروكين.

أما كلارا رفيق سعادة فزارت والدها في اليوم السابع والعشرين بعد ولادتها. دموع ماغي لا تتوقف، كلارا تدمَع وتُخفي تأثرها خلف إبتسامة رقيقة مصدرها إعتزاز كبير. تكمل ماغي رواية اللقاء الاول بين كلارا ووالدها “يا ريت ما طلّعتها يومها، عندن طريقة للذلّ لا توصف”. لما كانت ماغي حاملًا بطفلتها كانوا يرغمونها على خلع ثيابها للتفتيش قبل أن ترى زوجها من خلف الزجاج. لما وصلت بطفلتها الى المواجهة للمرة الأولى طلبت منها المكلفة بالتفتيش أن تنزع كل ثياب الطفلة عنها وحتى الحفاض، الأمر الذي أثار حفيظة الأم فخرجت وهي تردّد “ماذا يمكن أن أخفي في ثياب طفلتي؟ معقول!!”.  لكنها عضّت على جرحها كما كل مرة وتذكرت المرة الأولى التي خرجت من التفتيش والغضب ينفجر من عينيها. يومها التقت ستريدا التي بادرتها ” ليش معصّبة هالقد؟ انت زوجة موقوف؟” ردّت ماغي: “انا زوجة رفيق سعادة”. عانقتني وأكملت ليكي نحنا رجالنا جوا وما فينا الا نكون قَوايا”. تكمل ماغي “قد ما عذّبوا فييّ مش نقطة ببحر اللي عملوه بستريدا”.

كل ثلثاء وخميس صارت كلارا تزور والدها في سجن الوزارة لتكتمل جَمعة العائلة، والحكيم كان يقول عنها هي “بنت حبسنا” مع أنه لم يكن قد رآها، لكن كان يعرف أخبارها. وجودها كان يخفّف من ثقل ساعات الإنتظار وأثقال الذلّ الموعود عند كل مواجهة. كانت كلارا تنتظر في حضن “جدو فريد” والد الدكتور جعجع، وبقيت تنتظر الثلثاء والخميس طوال 7 أعوام إلا شهرين، المدة التي قضاها في سجن وزارة الدفاع قبل أن ينقلوه الى سجن روميه، لينهي الأعوام العشرة ومحكوميته لا لإدانته وحده بل لإدانة شعب ومقاومة وقائد لم يرضخوا للبطش السوري وعملائه

في سجن روميه صارت المقابلات كل ثلثاء وخميس وسبت، فباتت زيارة السبت مخصّصة لـ كلارا لأن باقي أيام الأسبوع تكون في المدرسة.

نقله الى سجن روميه أراحك أكثر؟

في الأساس لم يبلغونا أنهم نقلوه الى سجن روميه. كنت وصلت مع سلفي جوزف كالعادة الى الوزارة وتوجهنا لتدوين إسمينا عند مكتب الدخول لطلب مواجهته. قلت للعسكري: “بدنا نشوف رفيق سعاده” فردّ: “ما عنا رفيق سعاده. مش عنا”. جنّ جنوني وصرخت في وجهه “الزلمي إلو 7 سنين إلا شهرين محبوس هون، كيف بتقلي مش هون؟”. في هذه الأثناء وصل عسكري وأعطاني “سوسيت وبيضة كيندر” وقال لي: “هودي تركهم رفيق هون لـ كلارا وفي غرض إلو كمان بالأمانة. رفيق نقلوه، لازم تحكوا مع أبو شريف”. كان رفيق يوصي العسكري أن يشتري “السوسيت” والشوكولا له ليقدمها لابنته في كل زيارة. نزل سلفي ليكلم أبو شريف وعاد متوترًا قال: “نقلوا رفيق الى سجن رومية”.

يومها ذهبنا مباشرة الى روميه. كانوا وضعوه في مبنى يسمّى مبنى “اللولب” بعدها صرنا نراه في مبنى المحكومين كل ثلثاء وخميس وسبت وصار في إمكاننا أن نتكلم بحرية أكثر من دون عسكري رقيب فوق رأسنا، لكن من خلف الشباك طبعًا.

كيف مرّت الأعوام العشرة ومن ساعدك على إعالة كلارا؟

العناية الإلهية كانت معنا، الشباب ما عادوا إستطاعوا أن يزورونا لأن البيت مراقب وكل من يدخل بيتنا يُساق الى التحقيق في الوزارة كما فعلوا مع صديق رفيق جوزف عيسى الذي لم يتركنا على رغم تهديده ومنعه. وحدهم الطلاب كانوا يأتون لزيارتي أسبوعيًا ويقدمون لي المساعدات المالية من الصندوق الذي أسسوه في مصلحة الطلاب لمساعدة العائلات مثلنا، ويقولون “هذه هدية للصغيرة كلارا”. تأمين قسط مدرسة كلارا كان الأصعب علي، وعندما كانت تضيق بي الدنيا كنت أقصد ستريدا وأخبرها فتتصل برئيسة المدرسة وتطلب منها أن تمهلني المزيد من الوقت وكانت متجاوبة دائمًا. كما كنت أقصدها في البيت في يسوع الملك وكانت دائمًا السند ومصدر المعنويات والقوة مع كل القهر الذي كانت تعيشه. كُثر هم الرفاق والأقارب الذين لم يفارقونا وبقوا الى جانبنا على رغم كل الضغوط عليهم.

عشر سنوات حكم على ماغي أن تمضيها على طرقات السجون أسيرة عذاب اختارها. فقاومته واختارت أن تناضل الى جانب زوجها وكرمى لعيون ابنتهما. ماغي كانت خائفة أن لا تعود الأمور كما كانت قبل أن يدخل رفيق السجن ظلمًا. خائفة أن لا يتأقلم زوجها مع العائلة من جديد… خائفة أن لا تتقبّل كلارا وجوده معهم، فقد كبرت وهو بعيد… إلا أن الثلاثة طووا صفحة مؤلمة وانطلقوا معًا الى الحياة من جديد بفارق التوقيت فقط… 10 سنوات.

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

 

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل