نجح التقريب بين الأًضداد لكن ولادة الحكومة متعثِّرة
لم يشهد لبنان في تاريخه المعاصر أن رعى رئيس الجمهورية لقاءً بين رئيس الحكومة المكلّف واحد أركان المعارضة للبحث في مخارج للمأزق الحكومي.
أقدَم الرئيس ميشال سليمان على هذه الخطوة ليقول للرأي العام أنه سيبذل ما بوسعه لتُبصر الحكومة النور، واقترح الرئيس المكلّف أن يكون اللقاء في قصر بعبدا أو في مجلس النواب ليُثبت حسن نية وليقول للرأي العام أن لا مانع لديه من أن يكون اللقاء في أي مكان إذا كان يؤدي إلى التوافق.
ووافق العماد عون على اللقاء احتراماً منه لموقع رئاسة الجمهورية ولكي يُعطي فرصةً لولادة الحكومة.
ولكن ليس بالنيات يحصل التقدُّم بل بالحسابات وموازين القوى و(سلاح الدستور):
دستورياً، لا يملك رئيس الجمهورية سوى التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة، أما ما بين التكليف والتأليف فالدستور هنا غير واضح ولا يُحدِّد بالتفصيل (آلية صلاحيات) رئيس الجمهورية ودوره في التشكيل، ولأن الأمر كذلك فإنه يأخذ مبادرة رعاية اللقاءات تاركاً للملتقين أن يبذلوا الجهود لتحقيق التقدُّم. ينتهي دور رئيس الجمهورية عند هذا الحد ليبدأ دور رئيس الحكومة المكلّف، صحيح أن لديه صلاحيات كاملة، بعد الإستشارات، لإختيار وزرائه، لكن ما يجري عملياً أن البعض يريد تحويله إلى (صندوق بريد) بمعنى أن تُودِع القوى أسماءَ الوزراء المقترحة ليحملها إلى رئيس الجمهورية وإصدار مرسوم التشكيل.
بالتأكيد، لا يرضى الرئيس المكلف بهذا الدور لكنه لا يُقفل الطريق على أيِّ مسعى للخروج من المأزق.
* * *
الطرفُ الثالث في المعادلة هو العماد عون، قوته في أنه يملك تكتلاً نيابياً من سبعة وعشرين نائباً، هذا مُعطىً أول لعدم تجاوزه، ثمّ أنه في (تفاهم) مع حزب الله الذي لا يشارك على الدخول في أي حكومة ما لم يكن العماد عون مشاركاً فيها، والأمر عينه ينطبق على الرئيس بري.
* * *
هذا المشهد يُفضي إلى حقيقةٍ لا لبس فيها وهي أن هناك (توازن رعب) سياسي في البلد ولكسر حلقة هذا الرعب لا بد من تنازلات متبادَلة لأن المسألة لم تَعُد مَن على حق ومَن على خطأ، بل إن صاحب الحق لا قدرة له على إحقاقه، كما إن صاحب الخطأ قادر على السير في خطأه من دون حرج.
* * *
هذا ما آلت إليه الأمور في ملف التشكيلة الحكومية، وأخطر ما في الأمر ان كلَّ طرف يعتقد أنه قدَّم اقصى التنازلات ولم يَعُد بإمكانه تقديم المزيد منها، وفي المحصِّلة لا حكومة في المدى المنظور إذا بقي التركيز على الجهود الداخلية التي بلغت مداها، أما الرهان على التأثيرات الخارجية فيبدو أنَّه في غير محلّه خصوصاً أن المُعوَّل عليهم لتحقيق التوافق اللبناني يحتاجون إلى مَن يتدخَّل معهم لتحقيق التوافق في ما بينهم.