مجموعة من "الثنائيات القاتلة" تشل البلد.. مع "تأكّل" لمؤسسات وترهيب لأخرى.. و"حلقة مفرغة" مستعصية
الحل بالحكومة.. لكن كيف تكون "حكومة الحل"؟
يعيش لبنان منذ فترة بعيدة، لكن في الشهور الأخيرة على وجه التحديد، مجموعةً من "الثنائيات القاتلة". وأنتجت تلك "الثنائيات" شللاً على مستوى المؤسسات الدستورية من ناحية ونوعاً من "الإهتراء" على صعيد مؤسسات الدولة وفاعلياتها من ناحية ثانية. وفي المحصّلة، بين "الثنائيات" والشلل والإهتراء ثمة حلقة مفرغة تحتاج الى تعيين وتستلزم تصدياً.
"الثنائيات القاتلة"
في "الثنائيات القاتلة" التي تستوطن البلد، أن فريقاً يقول مثلاً "إما مطالبي أو لا حكومة". وأن فريقاً ثانياً يقول "إما الحقيقة والعدالة أو لا سلم أهلياً". وأن فريقاً ثالثاً يقول مثلاً "إما شروطي أو لا استقرار سياسياً وأمنياً واقتصادياً". وأن فريقاً رابعاً يقول على سبيل المثال "إما لا حقيقة ولا عدالة بالإضافة الى شروطي الأخرى أو لا بقاء للنظام السياسي من أصله". وأن فريقاً خامساً يقول "إما أفرض ما أريد أو ليضرب الآخرون رؤوسهم في الحائط" الخ..
ولما كانت تلك "الثنائيات" تعكسُ في الأساس الأساس تطلعاً لهذا الفريق أو ذاك الى الغلبة، وجهلاً بالكيان والصيغة، و"ثقافة" لا ديموقراطية، فمن الطبيعي القول إن مطلقي هذه "الثنائيات" لا يعترفون بأي مرجعية للبلد حتى المرجعيات الإجماعية نفسها. فلا إتفاق الطائف أو ميثاق الطائف مرجعية بالنسبة الى هؤلاء ولا الدستور ولا المقامات الروحية ولا الشرعات الإنسانية والديموقراطية.. ولا حتى الشرائع السماوية بذاتها.
شلل "النظام السياسي"
من نتائج "الثنائيات القاتلة" المشار اليها، ما يُمكن تسميتُه "الشلل المتنقل" على مستوى المؤسسات الدستورية. وقد "بدأ" بمجلس النواب بين عامي 2006 و2008. ثم انتقل الى رئاسة الجمهورية بين أواخر 2007 وأواسط 2008. وها هو اليوم "يضرب" الحكومة بما هي السلطة التنفيذية للبلاد. ومن نافل القول إن ذلك "الشلل المتنقل" تزامن في مختلف مراحله ومحطاته مع دورات عنف أشعلت فتناً، متنقلة بدورها.
المؤسسات العسكرية والأمنية
بيد أن ما لا يقل خطورةًَ عن "الشلل المتنقل" على مستوى المؤسسات الدستورية المركزية لـ"النظام السياسي"، يتمثل في ما يصيب مؤسسات "الدولة".
تشهدُ مجالس بعض الفرقاء السياسيين على خط دمشق طهران تفاخراً على سبيل المثال بـ"نجاح" أمكن تحقيقه، بعد أيار 2008 بشكل خاص، على مستوى "تحييد" عدد من المؤسسات العسكرية والأمنية، بل يذهب بعضهم الى حد التفاخر بـ"النجاح" في إخضاع هذه المؤسسات لـ"توازن قوة" بما يجعلها عاجزة عن القيام بواجباتها الأصلية، طالما أنها أخضعت لـ"آليات" عمل معينة.
ترهيب القضاء
وتشهدُ مجالس بعض الفرقاء السياسيين على خط دمشق طهران أيضاً تفاخراً بـ"نجاح" أمكن تحقيقُه مجسداً في ترهيب القضاء. وكان مجلس القضاء الأعلى أعاد التذكير في البيان الصادر عن اجتماعه أول من أمس، بأن القضاء "سلطة"، وبأنها "سلطة دستورية" يسبب التعرض لها تدميراً لمقوّم رئيسي لا وجود لأي وطن من دونه.
"الاقتصاد الموازي"
وإذا كان من نتائج "الثنائيات القاتلة" الشلل المتنقل من ناحية والتأكّل والإهتراء من ناحية ثانية، فإن "الكارثة" لا تقف عند هذا الحد، على أساس أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية تتفاقم أيضاً. وفي سياق متصل، تلفتُ نقاشات تدور في مجالس فرقاء سياسيين استقلاليين هذه المرة الى أنه حتى الفرقاء الذين يحملون "الثنائيات القاتلة" ويستشرسون في الدفاع عنها، لا ينجون من نتائجها. وبالنسبة الى هؤلاء الاستقلاليين "الدولتيين"، فإن في "إفلاس مالي" حصل أخيراً برهاناً على أن أي "إقتصاد مواز" غير قابل للنجاح وأن لا حلول خارج الدولة، وأن لا معالجات لمشاكل الفقراء بهذا الأسلوب الذي سيضع من يقوم به في مواجهة مع ناسه عاجلاً أو آجلاً.
"الحلقة المفرغة"
.. والآن ماذا عن "الحلقة المفرغة" وأين تكمن؟
ثمة من يُعرب عن إعتقاده ـ بل قناعته ـ بأن تشكيل الحكومة في حد ذاته من شأنه أن يضع حداً لـ"الثنائيات" وما ترتّب عنها.
"في المبدأ"، هذا صحيح الى حد كبير. لكن كيف للحكومة أن تتشكّل في ظل العُقد التي يحيط فريق 8 آذار عملية التأليف بها؟ ثم على إفتراض أنه تم بالفعل تشكيل الحكومة بعد تذليل بعض العُقد، هل يمكن إعتبار تلك الحكومة "حكومة الحلّ"؟
"الحلقة المفرغة" هي هنا بالضبط. للانتهاء من "الثنائيات" ومترتّباتها لا بد من قيام الحكومة لكن قيام "حكومة الحلّ" لا يبدو متاحاً، في ظل "الثنائية الأخطر": إما "حكومة اللاحلّ" أو لا حكومة! فإلى أن يصبح قيام "حكومة الحلّ" متاحاً، ماذا يكون قد بقيَ من الدولة؟
"حكومة الحلّ"
إن ما قصدت إليه المقدّمات الآنفة جميعها هو "توصيف" واقع الحال من جهة، لكنها قصدت من جهة أخرى أن "ترمي" في وجه من "يهمّهم الأمر" تحدّي الإجابة عن أسئلة من نوع: هل يجوز أن تبقى الحلقة المفرغة "دائمة"؟ هل من مجال لـ"حركة" لبنانية داخلية باتجاه كسر الحلقة المفرغة؟ هل من مجال لـ"مبادرة" داخلية؟ ومن يكون "المبادر".. الى منع سقوط لبنان في "المحظور" وإلى إنقاذ ما تبقى من "هيكل" عبر توفير أساس فعلي لقيام "حكومة الحلّ"؟