.jpg)
يستشهدون. لأجلنا، لأجل وطن! ما زالوا يؤمنون بهذه الانشودة، الوطن. استشهد الرقيب أول في مكتب مكافحة المخدرات إدمون سمعان، قالوا انه اقتحم قبل رفاقه المكان وانه حاول أن يحميهم حين أفرغ فيه المجرمون رصاصاتهم، على مرأى عيون العالم سقط الشهيد ونجا المجرمون، في منطقة اعتادت ان تأوي مهربي المخدرات وفي بيئة تحمي هؤلاء وتتضافر لتطلق الرصاص في كل الاتجاهات لتحمي وجودها من دولة القانون. أيام قليلة كانت كفيلة بتظهير هشاشة الخطة الامنية التي طبلوا وزمروا لها، فإنتهت الخطة مجرد “عراضات” ليس أكثر. اذن سقط سمعان شهيد القانون والجمهورية التي تحاول فرض وجودها في اي بقعة داشرة عنها، متمردة عليها، والبقع المماثلة كثيرة كثيرة في جمهورية الدويلة.
“بغضب وحزن تلقت بلدة مراح شديد البترونية خبر استشهاد إبنها الرقيب أول في مكتب مكافحة المخدرات”، هكذا كتبت الصحف فيما كتبته عن استشهاد سمعان، لكن الغضب لا يُصرف في لبنان لا في بنك الثورة ولا في الساحات، يروح غالبا في الهباء وتأخذه الايام مع الكثير الذي تأخذه منا، بعضاً من حالنا والكثير من رجالنا، حتى الساحات كأنها أقفلت في وجهنا لأنها تشعر بالخيبة، أو لأن الثورات ما عادت تحتاج غضباً انما وقودها صار العنف ونحن أبناء السلام والحق، نحن ابناء الجمهورية.
كأن الرقيب اول ادمون سمعان سقط عن كل تلك المفاهيم التي إستشهد جده قبله من أجلها، سقط بدقائق ليفدي أعماراً ووطناً مساحاته حتى الساعة، منتهكة، كرامته منقوصة، ولا نصف حلول بالكرامة اما كرامة ام لا، سقط ليس في مواجهة مع جيش عدو، انما مع مواطنين جعلوا من حماة الجمهورية أعداء لهم، ثم تحولوا الى قتلة لانهم تطاولوا على حماة الوطن، ولكنهم يا وطن يا أرض ما زال هؤلاء احراراً ومنهم الكثير الكثير في وجوه مختلفة وأماكن متنوعة يزرعون اللاجمهورية في اكثر من مكان أنموت فداء عنهم بدل ان تأخذنا ساحات الشرف الى شرف الاستشهاد؟

لا يمكن لمواطن غاضب الا ان يسأل السؤال اياه، أن يثور على استشهاد ليس في موقعه بالنسبة اليه، واستشهاد ادمون سمعان لم يترك الحزن على ربيعه السابعة والعشرين فحسب، انما الخوف والغضب من جمهورية حتى الساعة لم تحزم امرها لتصبح جمهورية غاضبة أبعد قليلا من الحدود المرسومة لها، ليتحول الغضب الى سيف مسلط فوق رقاب كل مجرم فالت يحميه مجرمون “رسميون”، الى كل دويلة ترسم بالقوة والدم طريقها على حساب وطن كامل وقواه الامنية في كل الامكنة.
استشهد الرقيب أول الشجاع الذي اقتحم المكان ولم يخاف، كان حسبه ان يحمي رفاقه، ان يؤدي واجبه “دفاعا عن لبنان العظيم” وكان سقوطه عظيماً. ارتفع شهيدا، مات البطل على الارض ليصبح ملاكاً حارساً للوطن من السماء علّ السماء تنصف الارض التي استشهد لاجلها، علّ السماء تلهم ناس الارض في لبنان، بأن لا ارض في الدنيا تتسع لنا، لا صحراء ولا جنّة يمكن أن تحضننا عندما نخسر أرضنا، عندما نهرق دماء الشهداء لتتحوّل الى يباس بدل أن نغرز أرواحهم لتنبت فينا ثوار حق.
اما لقتلة الوطن نقول، قد يسقط الف شهيد بعد في لبنان من بين القوى الامنية اللبنانية كافة، وقد يسقط شهداء من بين الناس أيضاً، ومع كل شهيد يرتفع وطن، هؤلاء يصنعون الجغرافيا التي تحاولون قضمها، وهؤلاء هم الجمهورية التي تحاولون ابتلاعها، لا يسقط شهيد في لبنان الا ويرتفع معه وطن بكامله ولذلك ارتفع الشهيد ادمون سمعان وعلى دربه كثر كثر بعد…
