من حرب يوليو 2006 إلى إرسال المدمرة الاميركية كول “حزب الله” يواجه بعد سلسلة الاخفاقات الداخلية تغيراً ستراتيجياً بالمنطقة يدفعه إلى إعادة حساباته
كشف مصدر حزبي واسع الاطلاع على أجواء قوى المعارضة، أن “حزب الله” فهم من الخطوة الأميركية بارسال المدمرة “كول” الى قبالة الساحل اللبناني، أنها محطة اضافية في مسلسل محاصرته، بغية اضعافه تمهيداً لضربه وسحقه، بعد أن فشلت اسرائيل في حرب تموز 2006 في تحقيق هذا الهدف، فكان لا بد حسب رأي قيادة الحزب، من مخطط أميركي بعيد المدى لانجاز ذلك.
ويعرض المصدر الحزبي بعضاً من أجواء قيادة الحزب في الأشهر الماضية على الشكل التالي:
أولاً: اعتبر الحزب أن الحكومة وفريق الأكثرية خذلاه أثناء حرب تموز، ولم يلعبا الدور الداعم له، ولم يؤمنا ظهره، في وقت كان يخوض حرب وجود ضد الآلة العسكرية الاسرائيلية، فقرر بعد الحرب مباشرة تغيير السلطة، واقامة حكم موالٍ له يستطيع أن يأمن له في أية حرب مقبلة، لكنه فشل في ذلك فشلاً ذريعاً وصمدت الحكومة مدعومة من الأكثرية النيابية، ومن دول العالم أجمع، فانعكس هذا الفشل توتراً في أداء الحزب السياسي.
ثانياً: جاءت حرب مخيم نهر البارد لتضيف هاجساً جديداً للحزب، اذ أن سقوط أي مخيم فلسطيني في أيدي الشرعية والجيش، يعني تقوية الدولة ومشروعها، في حين يسعى الحزب الى الحفاظ على كيانه السياسي والعسكري والاجتماعي والمالي بالاستقلال التام عن الدولة التي لا يأمن جانبها، كما أن خسارة مخيم البارد تشكل برأي الحزب، مقدمة لارساء واقع سياسي وعسكري جديد في محافظة الشمال، يمنعه من اختراق هذه المنطقة الشاسعة من لبنان والمحاذية لسورية، لذا جاء موقف السيد حسن نصر الله برسم خط أحمر للمخيم، ولكن الجيش حسم المعركة، فخسر “حزب الله” نقطة اضافية، وأصيبت علاقته مع الجيش اصابة بالغة، كان أبرز تجلياتها رفض الحزب لترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة، وهو الذي كان يعتبره في الماضي حليفاً قوياً، ويكفي بشخصه أن يقدم ضمانة للحزب والمعارضة لمرحلة ما بعد الانتخاب، بشأن المشاركة في الحكم.
ثالثاً: عملت قوة الطوارئ الدولية (يونيفيل) بجدية، على منع الوجود المسلح للحزب جنوب الليطاني، واذا كانت بداية وجودها في صيف العام 2006 خجولة ومربكة وضعيفة، فان هذه القوة عززت لاحقاً انتشارها ودورياتها ونشاطها، ما أثر على قدرة الحزب في استعادة مواقعه السابقة، حيث خسر تحصيناته التي دمرتها حرب تموز، والتي أتاحت لمقاتليه في مارون الراس وعيتا الشعب وبنت جبيل مثلاً، من الصمود طوال أيام المعارك (33 يوماً)، وهنا أيضاً انعكس الأمر توتراً بين الحزب والقوة الدولية، وقد حصلت اشكالات ومناوشات بين الجانبين، تمت معالجتها في اجتماعات مغلقة.
رابعاً: شهدت شوارع بيروت والضاحية الجنوبية أحداثاً أمنية عدة، أخطرها ما جرى في منطقة الشياح، حيث سقط 7 قتلى من المتظاهرين الذين قطعوا الطريق العام باحراق الدواليب، وقد اعتبر الحزب أن هذه المناوشات تستهدفه وتريد جره الى مواجهة عسكرية مع الجيش في شوارع الضاحية، لذا قرر يومها عدم التدخل ولم يرسل فرق الانضباط التابعة له لتهدئة المتظاهرين، وحرص على اجراء اتصالات مع قيادة الجيش، قبل أن ينزل عناصره الى الشارع للملمة الوضع. وذهب الحزب في تحليله لذلك اليوم الأسود بالقول، أن موقفه من الجيش في حرب البارد، هو بسبب عنف وعصبية بعض ضباط الجيش مع أهالي الضاحية، وأنه كحزب يدفع ثمن ذلك “الخط الأحمر” الشهير من دماء بعض مناصريه، وعلى الرغم من فداحة الحصيلة الدموية لتلك الأحداث، اضافة الى تشدده في المطالبة بالتحقيق ومعاقبة الضباط، الا أن “حزب الله” في قرارة نفسه، فهم مغزى تلك الأحداث، على أنها محطة في سياق انفصاله التام عن مؤسسات الدولة، والمقصود هنا الجيش.
بطبيعة الحال، فان ثمة قراءة أخرى لأحداث الشياح، لا تعتبر “حزب الله” ضحية بل معتدٍ، ولكن في أية حال فان النتيجة واحدة: الطلاق مع الجيش.
خامساً: أما القشة التي قصمت ظهر البعير فكانت اغتيال عماد مغنية، وقد رأت قيادة الحزب أن الحادث هو محطة جديدة في سياق اضعافه، فهو اذا انفعل ورد عشوائياً، سيواجه مأزقاً داخلياً وخارجياً كبيراً، والمقصود ب¯”خارجياً” لائحة طويلة من الدول العربية والغربية، العدوة والصديقة، واذا لم يرد فانه سيتهم بالضعف، وستصاب هيبته بضربة جديدة.
وهنا تجدر الاشارة الى أن النائب وليد جنبلاط، كان أول من لاحظ الفارق بين خطابي نصر الله بشأن مغنية، الأول يوم التشييع، والثاني في ذكرى الأسبوع، اذ تراجع في الخطاب الأخير عن “الحرب المفتوحة”، الى “أن دم مغنية لن يذهب هدراً”، وهذا دليل على ما أوردته “السياسة” سابقاً من حراجة موقف “حزب الله”، والخلاصة أن هذه نقطة ضعف اضافية.
سادسا: أما عملية ارسال المدمرة “كول”، فانها لم تفاجئ الحزب، حسب المصدر، لأن نصر الله وقيادة حزبه يعرفان أن السياق الاقليمي الدولي الذي يتحكم بالوضع اللبناني هو سياق تصعيدي، وأن اسرائيل أعلنت صراحة أنها تستعد لحرب جديدة، وأن الدول العربية تشير مباشرة الى “حزب الله” ومن خلفه، بتعطيل الانتخابات الرئاسية.
أما في المدلول السياسي للخطوة الأميركية، فان المراقبين يعتبرون أن الولايات المتحدة أرادت توجيه رسالة، الى جميع الذين ينظرون منذ سنوات لهزيمة المشروع الأميركي في المنطقة، ومن هؤلاء “حزب الله”، مفادها أن التعثر في مكان ما مثل العراق (اذا كان صحيحاً)، فهذا لا يعني عدم التدخل في مكان آخر (لبنان مثلاً)، ومع أن التدخل العسكري الأميركي في هذا البلد مستبعد، الا أن توازن الرعب كان حتى الآن من طرف واحد، فأرادت الولايات المتحدة أن يكون متساوياً ومن طرفين، واذا كانت اسرائيل غير مستعدة الآن للحرب، فان الوجود العسكري الأميركي المباشر، يؤمن قوة الردع المطلوبة مرحلياً.
بالتأكيد لا يرتاح “حزب الله” لهكذا خطوة، سيما وأنه رفع خطابه التهديدي ضد اسرائيل، الى حد القول بزوالها ونهايتها، ومع علمه أن حضور “كول” الى الساحل اللبناني لا “يصرف” سياسياً في اللعبة الداخلية اللبنانية، الا أنه يغير في المعطى الستراتيجي المحيط بلبنان، وينعكس عليه بقوة، وهذا ما سيعكف “حزب الله” وحلفاؤه الخارجيون على دراسته ملياً في المرحلة المقبلة، لأنه بكل بساطة “مقلق لهم”.