لأن المشكلة الكبرى في الطائفية البغيضة وسوء تطبيق الدستور
هل يتم تشكيل الهيئة الوطنية لاستئصال العلة ؟
بات واضحا لكل من في الداخل والخارج ان العلة في لبنان ليست في النظام ولا في الدستور بل في آفة الطائفية البغيضة التي ينبغي استئصالها بأسرع وقت ممكن من النفوس وليس بالنصوص فقط. وهذا يبدأ في المنزل وفي المدرسة حيث يجب ان تبنى التنشئة الوطنية لا "الدينية" وان تتعلم الناشئة ان يكون ولاؤها للوطن وليس للطائفة، وان تحب الوطن لا ان تحب عليه… فأي نظام واي دستور لا يمكن ان يقيما وطنا يفتدى ودولة قوية بدون مواطنة، ما دامت آفة الطائفية تفتك في جسم الوطن. وما دامت الدولة "دولة طوائف" وليست دولة مدنية يعتمد فيها الزواج المدني الاختياري تعزيزا لها وترسيخا للعيش المشترك والانصهار الوطني، فلا امل في وطن ولا في دولة…
لقد جاء في البيان الوزاري لحكومة الاستقلال الاولى برئاسة رياض الصلح: "ان الساعة التي يمكن فيها الغاء الطائفية هي ساعة يقظة وطنية شاملة مباركة في تاريخ لبنان وسنسعى لكي تكون هذه الساعة قريبة باذن الله، ومن الطبيعي ان تحقيق ذلك يحتاج الى تمهيد واعداد في مختلف النواحي، وسنعمل جميعا بالتعاون، تمهيدا واعدادا حتى لا تبقى نفس الا وتطمئن كل الاطمئنان الى تحقيق هذا الاصلاح القومي الخطير. وما يقال في القاعدة الطائفية، يقال مثله في القاعدة الاقليمية التي اذا اشتدت تجعل من الوطن الواحد اوطانا متعددة"…
ولم يأخذ تشكيل تلك الحكومة بحجم كل طائفة او مذهب او بعددها كما هو حاصل اليوم، بل تمثل كل مذهب بوزير واحد. فمثّل رياض الصلح السنة، وحبيب ابو شهلا الارثوذكس وكميل شمعون الموارنة والامير مجيد ارسلان الدروز وسليم تقلا الكاثوليك وعادل عسيران الشيعة. فعوض متابعة البناء على هذا الاساس تمهيدا لالغاء الطائفية او تجاوز قيدها، ونسير الى الامام في هذا المضمار اذ بالطائفية تتفاقم سنة بعد سنة، ونشد بالوطن والدولة الى الوراء ويصبح تمثيل المذاهب بحسب حجمها وعددها سواء في مجلس النواب او في تشكيل الحكومات او في تعيينات وظائف الفئة الاولى، وجاء اتفاق الطائف يكرس هذا التوزيع لكنه جعل المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في عدد النواب وفي عدد الوزراء وفي عدد الوظائف من الفئة الاولى واوقف العد مهما تغير الوضع الديموغرافي.
واذا باصوات تعود وترتفع مطالبة بالعددية ضمن التعددية اي ان يتمثل كل مذهب بحسب عدد المنتمين اليه، كي يقوم حكم الطائفة الكبرى على الطوائف الصغرى وحكم الاكثريات للاقليات، ويصبح موضوع التجنيس مادة خلاف جديدة بين المذاهب والطوائف وكم زاد ذلك من عدد هذا المذهب او ذاك كما حصل في عهد الرئيس الهراوي عندما صار تجنيس اكثر من 300 الف بينهم من لا تتوافر فيهم الشروط المطلوبة.
وجاء ذاك التجنيس لمصلحة المسلمين وليس لمصلحة المسيحيين الذين راحوا يبحثون في دول الاغتراب عمن يريد الحصول على الجنسية اللبنانية او على استعادة جنسيته تحقيقا للتوازن بين الطوائف… حتى ان الكلام على توطين الفلسطينيين يأخذ طابعا مذهبيا ايضا وليس قوميا ووطنيا او تمكسا بحق عودة هؤلاء الى ديارهم، انما خوفا من ان يزيد عدد مذهب على عدد مذهب آخر…
والشعور الوطني كان يفوق الشعور الطائفي في مستهل عهد الاستقلال وبات الشعور الطائفي مع مر السنين، اقوى من الشعور الوطني بسبب تلكؤ العمل على الغاء الطائفية رغم تكرار الدعوة الى ذلك في كل بيان وزاري ورغم ايراد نص في دستور الطائف بمادته الـ95 تقول: "على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية، تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية. مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلسي النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية".
ونصت ايضا في المرحلة الانتقالية على ان "تلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وتكون الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين بدون تخصيص اية وظيفة لاية طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة". فكانت النتيجة ان الرئيس بري واجه معارضة واعتراضا عندما دعا قبل سنوات الى تأليف الهيئة الوطنية لالغاء الطائفية، وواجه الرئيس الهراوي معارضة واعتراضا ايضا عندما طرح مشروع قانون الزواج المدني الاختياري على مجلس الوزراء. وظلت قاعدة التمثيل الطائفي معتمدة في كل المؤسسات بدلا من الكفاءة والاختصاص، لا بل اصبحت وزارات ومديريات مخصصة لمذاهب وطوائف، حتى ان قوانين الانتخابات النيابية عوض ان تحقق الانصهار الوطني، فانها زادت الانقسام الوطني، وعوض ان ترسخ اسس العيش المشترك، رسخت المذهبية وهو ما جعل الرئيس حسين الحسيني ينتفض على مثل هذه القوانين وعلى تجاهل الدستور لا بل تمزيقه ويعلن استقالته من النيابة ومن الترشح للانتخابات بعدما كان قد اعلن في بيان صدر عن "المركز المدني للمبادرة الوطنية" في البريستول "ان مشروعنا هو مشروع حياة وطنية واحدة لشعب واحد في دولة واحدة تحمي الفرد من مؤسسات مذهبية تسعى الى الاستحواذ على ولائه"…
وقد عادت الدعوة الى الغاء الطائفية تتكرر في خطب الرؤساء والوزراء والنواب والسياسيين من دون ترجمة فعلية وعملية حتى الآن لها، توصلا الى اقرار قانون انتخاب خارج القيد الطائفي وليس العودة الى العددية للاتجاه اكثر نحو التمذهب والطائفية البغيضة ومواجهة ازمات الطوائف في حكم لبنان، وقد كتب الرئيس سليم الحص سلسلة مقالات عن "الطائفية والدين" وعن "الطائفية آفة المجتمع اللبناني"، واللواء الركن المتقاعد ياسين سويد بقوله في حديث له: "اننا نحتاج الى "أتاتورك لبناني" يخلصنا من كوليرا الطائفية والمذهبية". وله مقالات عدة يدعو فيها الى التخلص من هذا الوباء. وهذا الوضع الشاذ الذي يعيشه لبنان جعل الوزيرة السابقة ليلى الصلح حمادة ونائبة رئيس "مؤسسة الوليد بن طلال الانسانية"، تطلق صرخة لمناسبة رعايتها تخريج طلاب جامعة سيدة اللويزة اكدت فيها انها "ليست ثورة على الحكام وانما على الاحكام"، وتساءلت: "ديموقراطية هذه ام اقطاعية، دستور هذا ام شريعة غاب؟ امة هذه ام قبائل؟ هل هي لغة الحق ام لغة الباطل؟". ودعت النواب الجدد في جيل الشباب الى انماء الوطن لا الى تقاسمه وتقسيمه حصصا بين الدويلات، وليكن العبور الى الدولة لا شعارا بل قضية وقرارا وبذلك فقط تسقط فيديرالية الطوائف وفيديرالية الانتخابات.
وتتساءل اوساط سياسية هل يمكن الغاء الطائفية بواسطة طاقم حكم طائفي، وتساءل الدكتور انطوان مسرة في مقال له: "هل بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان، جعل النظام اللبناني غير قابل للحكم Ingouvernable لانه يتوفر في الداخل اللبناني من يدير تعطيل الحكم، في حين ان مفهوم التعطيل لا وجود له في اي دستور في العالم ولا في اية شركة تجارية؟"…
الواقع، انه لا توجد طائفة في لبنان لم ترتكب خطيئة في حقه، ولم يمسها جنون او نشوة انتصار في مرحلة من المراحل خصوصا عندما استقوت بالخارج كي تنتصر على الآخرين في الداخل…
ان معنى الوطن هو في الولاء له من دون سواه، وفي اعداد جيل يفتديه ويصنع دولة فيه قوية قادرة وعادلة، حرة ديموقراطية لا دولة مزرعة وقبائل، وطن ثقافة تترابط بها الامة وتربية تنصهر فيها الاجيال كما قال الدكتور حسين يتيم في محاضرة له، وخلص فيها الى القول: "ان اعلان منظمة الانيسكو "بيروت عاصمة عالمية للكتاب 2009" امر يدعو الى الامل حتى يكون لبنان مستحقا لدور اعطي له فينتصر الحبر والقلم على الجهل والتخلف"، وتنتصر ايضا كما يقول وزير سابق الحرية على العبودية والديموقراطية على الديكتاتورية.