#adsense

أكثر من الثلث المعطّل؟

حجم الخط

 أكثر من الثلث المعطّل؟ 

لم يرسل البنتاغون المدمرة «هيغينز» الى شرق المتوسط، لفض الاشتباك بين الأطراف اللبنانيين المتصارعين على الولادة العسيرة لحكومة الوحدة الوطنية. ولم يرسل المدمرة لفرض طروحات فريق «الشراكة الكاملة» على خصمه المتهم بـ «تعبئة مذهبية شاملة» لمجرد ان رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري أبلغ الرئيس اللبناني ميشال سليمان لائحة بأسماءٍ يعتقد بأنها مؤهلة لتولي الحقائب الوزارية، على قاعدة عدم إلغاء نتائج الانتخابات النيابية.

بات من «الثوابت» ان يطغى ضجيج الداخل على عواصف «الكبار» في المنطقة والحال ان الجميع يحذر من الانزلاق مجدداً الى ما يُخطط له في الخارج، ومن تدفيع لبنان جزءاً من الثمن الباهظ، فيما الكل في معمعة «حسم المصائر» في حكومة «وحدة»، وبعضهم يستسهل مرة أخرى الاستسلام الى لغة تأجيج الاشتباك الى ذروة قطيعة.

لن تتدخل «هيغينز» لإسقاط الصواريخ الجوالة في أزمات لبنان، ولكن ليس فألاً حسناً لأي معسكر أن تتأهب المدمرة في حيفا، والسفن الأميركية في المتوسط، فيما ايران تبلغ القوى الكبرى في مجلس الأمن اقتراحات محمود احمدي نجاد المعدّلة، من اجل فتح حوار «عادل».

بقية حروف أزمة الملف النووي الإيراني معروفة، وهي إن كانت تشيع الملل لدى الغرب، وتستنفد صبر إسرائيل، لم تثر بعد فضول بعض الأطراف اللبنانيين أو قلقهم الى الحد الذي يقرّب وقع العاصفة المحتملة، من حساب الأثمان، طالما لبنان المرشح المفضل بامتياز ساحة لاختبار القوة، وإعادة رسم حدود الأدوار في المنطقة.

… في الظل الثقيل للملف النووي، والظل المخيف لإعداد البنتاغون وإسرائيل شرق البحر المتوسط منصّة لخوض حرب صاروخية، تقفز الى الشكاوى العديدة مما يسمى اختلالات الحقائب في حكومة الرئيس المكلف سعد الحريري، شكوى من عدم تمثيل زحلة!

وبعيداً من الهذر الذي لا يقلل صخب الاشتباك السياسي في لبنان، لا تسقِط الحقائق الإقليمية واكتمال قوس الأزمات مجدداً من حول البلد، حق فريقي 8 آذار و14 آذار في الدفاع عن طروحاتهما، ولا قيمة الدعوة الى التروي. لكنها بالتأكيد مدعاة الى التأمل في «حكمة» استعجال بعضهم إعداد اللبنانيين لجولة أخرى شرسة من الصراع على «شراكة عادلة»، أقل أثمانها إشاعة اليأس والخوف وحقن الشوارع واستنفار الطوائف، ورفع متاريس الدستور، واستحضار معزوفة التخوين و «التآمر» مع الأميركي.

بقية مصطلحات قاموس السياسة في لبنان تستنسخ مفردات مملّة، و «ملحمة» الاستحقاقات المزمنة باتت واجباً وطنياً على كل لبناني.
ومن القواعد المستجدة للعبة الديموقراطية ان يتحول الفريق الفائز في الانتخابات مداناً، متهماً باستغلال انتصاره لإخضاع الطرف الآخر. يتحول فوز الأول سلاحاً في يد الثاني، وينقلب تدوير الزوايا الى تربيع لكل الحياة السياسية لاستيلاد ديموقراطية «شراكة»، وهذه تتجاوز مفاعيل الثلث المعطل، عبر السعي الى محاصرة الرئيس المكلف سعد الحريري بشروط التوزير.

والحال ان الفصل الجديد في مرحلة ما بعد صفحة اتفاق الدوحة، لن يبارحه سلاح اتهام الخصم باستنفار الروح المذهبية، لإرغامه على التنازل حتى عن الأعراف الدستورية. وهكذا، المطلوب ان «يهدي» الفائز نصره الى الفريق الآخر، كي يبرئه من هدر دم التوافق!.. وأن يرتعب فريق 14 آذار من تسريبٍ حول «خطة سرية» لدى المعارضة لإحباط مساعي الحريري، وحول نيته «نفض» يديه من صيغة 15-10-5.

محاولة استباقية إذاً، لمواجهة الحريري بشروط الأمر الواقع، اما حديث المعارضة عن الحاجة الى درس اتفاق الطائف في «غرف مغلقة»، فليس سوى مؤشر آخر الى الرغبة في ما يتجاوز الثلث «الضامن» المعطل، الى الإلحاح مجدداً على تعديل الدستور والاتفاق، لتحل ديموقراطية التوافق «الأبدي».

معها، تسقط كل مبررات الانتخاب والتمثيل النيابي، ويُحجَّم دور البرلمان الى ما يشبه دور الكاتب العدل في دولة لفيديرالية الأحزاب والحصص!
وبصرف النظر عن ارتباط البُعد المحلي بقرار إقليمي ما، يؤجج الاشتباك السياسي في لبنان – وهو المرجح – تبقى للمعارضة فرصة للاحتكام الى الدور الوازن للرئيس ميشال سليمان، إذا أرادت إنقاذ البلد من «عبث» رياح الخارج، والتمهيد لمرحلة الإصلاح الهادئ.
في لبنان كثير من صخب المطالب، مهما علا لن يحجب هدير الوقائع السيئة في المنطقة، ولن يساهم في حماية بلد الاستحقاقات المزمنة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل