.jpg)
بعد غياب دام ما يقارب الأعوام الخمسين، عادت مهرجانات الأرز الى إعادة عقد الصلة بين لبنان والفرح، على يد سيدة لم تُجب لغير الخير، ولم تخزن قدرتها إلاّ ليتألّق الوطن بعد زمن الشحّ.
من زمان، كان لدي فضول تحوّل الى لهفة، لملاحقة أنشطتها منذ كان مشروعُها وضعَ عناصرِ المجتمع والحياة في حيثية راقية، وفي سياقِ وحدةٍ وطنية تُنتِجُ في الكمّ والنوع. وقد نجحت، هذه المنتمية الى ناس الله الفَرِحين، في أن تُكَوِّن لها وِقفاتٍ سلوكية غيرَ تقليدية، في خصوصية العلاقة بين الوطن وأهليه من ناحية، وبينها بين الناس من ناحية أخرى، فارتفعت بمفهوم هذه العلاقة من مناهجَ وأنظمة، الى الإستمتاع بالمعرفة، درعِ الإنسان في مواجهة غدر الأزمنة.
هي المرأة الصّعبة الهيِّنة، المتطلِّبُة المُراعية، التي تطلب الأحسنَ بوفرةِ تواضع، والتي تشدّ العاملين معها بسؤال، وتُريحهم بجواب لا يحتمل الَّلبس. في مشوارها رصيدٌ ثابت في التطلّع دوماً صوبَ الأفضل والأرقى، لأنها مسكونة بثقافة الحياة. ولأنّها كانت ترفض أن يكون للإحباط عندها مَسكَن، هي المؤمنُة بنَهرِيَّة الحياة، وفي ذلك شيءٌ من تسامي الصّالحين، كانت تبحث عن الأمل من بطن الأزمات وتطبّقُ ما تصل إليه بنجاح، وكان ذلك معها مغامرةً إستَنكَرها الأكثرون، منهم خوفاً ومنهم تشاؤماً.
أحببت فيها رجاحةَ عقلها، ودماثةَ أخلاقها، والثباتَ في قراراتها، وكانت صائبة، وأحببت فيها أنسان الحقّ. أحببت فيها ولاءها غير المتردّد لله الذي وعدها بالبركة، والإستقامة في ولائها للوطن الذي فهمته حالة انتماء وصلاة، وهذه الإستقامة وحدها تحرس الصلة بالسماء. يومَ فتحَتْ لها الحياة العامة بابها، كانت لها القلبَ المُتأهِبَ للتضحية بتماسكها وسلوكها، ونهضت الى مَأسَسة نضال كان لها البوّابة الى موقع أثمرَ للبنان عملاً ونجاحات. وبذلك ورثت نعمة الوطن الذي كان معها تذكاراً لعمل الخالق، فارتبطت به كالخيط المثلوث الذي يستحيل قطعه، والذين ورثوا هذه النعمة قليلون.
السيدة ستريدا جعجع، لم يَعُدْ مُلتبِساً دورُها الرِّياديُّ في المساهمة بالنقلة النوعية التي حققَتْها مدرسةُ القوات اللبنانية، صَرحاً يَعجِنُ الأجيالَ بخميرة الوطنية، فاستحقّت عن جدارةٍ كلَّ التقدير. ولطالما كان عنوان المؤسسة معها أنّ مَن يتوكّل على ربّه لا يمكن أن يهلك، وأنّ مَن يعطي وطنه من دون منّة فإنّه بذلك يقضي على نسل الشياطين.
السيدة ستريدا شبكت حياتها بلبنان، فشمخت معه بكبرياء مستمدة من شموخ أرزة لا تنحني مهما قسا عليها التراب. لقد آمنت بأنّ الحقيقة خالدة كعامود من نور، واعتنقت فلسفة المحبة التي تشكّل الركن المعنوي الذي يحضن القِيم. ستريدا البولْسيّة المَنهج، نبرةً وعِبرة، حركةً وفَهماً، كانت ولمَّا تزلْ إسماً أكبرَ منا لألقابِ والعناوين.