
في الباب الأول من مشروع قانون اللامركزية الإدارية، النائم في أدراج النظام المأزوم، وتحديداً في المادة الثالثة، تم التركيز على “اعتماد نظم الحكومة الإلكترونية (e-government)”. إذاً، ما طالبت به “القوات اللبنانية”، لم يأتِ من فراغ تشريعي. ثمة مشروع تشريعي لتحقيق اللامركزية الإدارية، أخذ وقتاً طويلاً لكتابته، ولا يحتاج لوقت أطول لإقراره. يا ليت اتفاق “القوات” والعونيين على تشريع الضرورة، شمل إضافة الى قانون الانتخابات والجنسية، مشروع قانون اللامركزية الإدارية. أصلاً اللامركزية الإدارية والمالية، بند مهم في إعلان النيات.
عودة الى الحكومة الإلكترونية. قد يكون تسهيل الإجراءات أقل فوائدها. الوقت الذي سيربحه المواطن. التخلص من ازدحام السير.التخفيف من منابع الرشوة. كلها أمور تعني المواطن أكثر من أية مسألة أخرى.
ولكن ثمة مسألة تتجاوز بأهميتها الحكومة الإلكترونية وقوانين اللامركزية والانتخابات والجنسية والنفط والغاز والسدود والطرق. المسألة أن الأمور في لبنان تندفع نحو السقوط الكبير. النظام يسقط تحت وطأة عجزه عن إدارة أزماته المتكررة. وأيضاً تحت وطأة عجزه عن اللحاق، حتى بتشريعات الضرورة والبداهة، في أي بلد على وجه الأرض. لا يملك هذا النظام أية قدرة على ضبط الصراع السني-الشيعي. لا بل إن الصراع الشيعي-السني، هو من يتحكم بالنظام ويجعله شَغَّالاً أو مُعطَّلاً بحسب الرياح والمصالح. لو اقتصر تقصير النظام على هذه المسألة الكبيرة، لرَضِيَ المواطن بالقليل المُتبقي. ولكن حتى هذا القليل، والأقل أهمية من صراع الأديان والحضارات والدول، لم يعد موجوداً. صرف اعتماد طريق. لامركزية إدارية. حكومة إلكترونية. أمور يقف النظام عاجزاً أمامها. وبالتالي يجب الاعتراف والإقتناع، وإن على مضض، أن النظام يُسقط نَفْسَهُ بنفْسِهِ. عندما يصبح عاجزاً في الكبيرة والصغيرة، وعندما تكون قوته الوحيدة استحالة وجود نظام بديل، يترتب على كل سياسي ومواطن أن يعلن موقفاً أخلاقياً يسمو على كل الاعتبارات.
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت/ فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
إن دفن الرؤوس في الرمال، في هذه المسألة، إدانة أخلاقية لا تُخففها الواقعيات السياسية. ثمة صوت ضمير لا تسمعه في وسائل الإعلام لكنه يضج في كل مكان: لا كهرباء، ولا ماء، ولا لامركزية، ولا قانون انتخاب، ولا رئيس جمهورية، ولا حكومة، ولا برلمان، وتريدون أن نقتنع بأننا لسنا في أزمة نظام وكيان ودستور؟
الموقف الأخلاقي يحتم أن نعترف بما نحن عليه. نقبل أن يقال لنا اصبروا، وسنصبر. ولكن للضمير، للأخلاق، للتاريخ، يجب أن يُقال إن النظام يتداعى. يتساقط. وليس صحيحاً أن عودة “حزب الله” الى هذه الدولة، يعيد انتظام النظام. يوم يعود “حزب الله”، إذا عاد يوماً، ستكون إشكاليات النظام أكبر وأعمق. إلا إذا كان ثمة حالم بأن هذه المنطقة، ستكسر ثوابت التاريخ وسيأتي وقت وهناك في لبنان طائفة لا طائفتان وثلاث وأربع. وفي المنطقة قوة إقليمية لا قوتان وثلاث وأربع. الصبر مفتاح الفرج. ولكن ما هو مفتاح الصبر؟ إنه حكومة إلكترونية. لامركزية إدارية. وأشياء تافهة من نوع الكهرباء، وطريق أوسع بين نهر الكلب والمعاملتين.