المعارضة امام ساعة الحقيقة …
المحامي جورج ابو صعب
اما وقد اعتذر الرئيس المكلف عن تشكيل الحكومة بعد العراقيل التي وضعتها امامه المعارضة – فإن السؤال الان يطرح عن افاق المرحلة المقبلة القريبة خصوصاً ان الاستشارات والمفاوضات في الساعات الاخيرة اثبتت مضي المعارضة في تفشيل تشكيل حكومة وبالتالي الضرب عرض الحائط بالدستور والنظام البرلماني الديمقراطي بابعاده ومفاعيله كافة.
فاليوم جميعنا مدعو الى التفكير الملي والعميق بخطورة الازمة السياسية التي تجتازها البلاد انطلاقا من اسقاط المعارضة لكل النصوص الدستورية ولكل الاسس التي قامت عليها الحياة الدستورية والبرلمانية في لبنان .
فالرئيس سعد الحريري اعتذر والسيناريو اللارجح معروف وهو يتجلى في مباشرة رئيس الجمهورية استشاراته النيابية الملزمة استنادا للمادة (53) من الدستور والتشاور مع رئيس مجلس النواب لاعادة تسمية الحريري رئيسا مكلفا للحكومة واصدار مرسوم تسميته منفردا – لكن لا شيء يضمن ان المعارضة التي فشلت الرئيس المكلف واحرجته لاخراجه لن تبادر في التكليف الثاني الى لعب الدور نفسه وبالتالي الذهاب الى حد مقاطعة الرئيس المكلف للمرة الثانية.
من هنا نرى ان المشكلة الحقيقية التي يواجهها لبنان اليوم ولنقولها بصراحة انتقلت من مرحلة عدم الثقة بين القوى الموالية والمعارضة الى مرحلة الكباش السياسي الذي يتركز على الاطاحة بالنظام اللبناني قضما واسقاط الدستور انتقاصا والانقضاض على مكتسبات الاكثرية السياسية بعد فوزها في الانتخابات في 7 حزيران وصولا الى اسقاط المحكمة الدولية من داخل اي تركيبة حكومية مستقبلية .
فالمشكلة الحقيقية … لا بل الحقيقة الصعبة والمرة ان المعارضة اعلنت ضمنيا الحرب على الدستور والحرب على نظام الطائف من خلال اسقاطها وتخطيها مبادئ واسس الجمهورية والنظام الديمقراطي والبرلماني وكأن الدستور وجد ليكون بالنسبة للمعارضين حبراً على ورق ووثيقة الطائف لم يعد لها اي دور للتقيد بها – فالمعارضة اليوم تحاول فرض قواعد لعبتها السياسية على الداخل بقوة المقاطعة والرفض والعرقلة والتهديد وكأن لبنان لم يعرف انتخابات وكأن الاكثرية لا حق لها في الوجود وهي التي – وعلى مضض – قدمت في ظل التشكيلة الحكومية ما قبل الاعتذار تنازلات حتى الرئيس المكلف قالها بالفم الملأن انه وفي مكان ما بات من المفترض التوقف عن تقديم التضحيات – وبالتالي وفي ظل حرب المعارضة على الدستور والنظام والاسس الديمقراطية والبرلمانية التي عطلت وتعطل عمل المؤسسات الدستورية في البلاد وبالتالي عمل الدولة وانطلاقتها – يصبح مشروعا التساؤل عن كيفية تخطي الازمة الحالية ولو باعادة تكليف الرئيس الحريري ثانية طالما ان المعارضة – وقد كشفت عن حقيقة نواياها في الايام القليلة الماضية – لا تقر بدستور ولا بنظام ولا بمبادئ برلمانية وديمقراطية .
من هنا ان اي مرحلة جديدة للتشكيل الحكومي يجب ان تأخذ بالاعتبار موقف المعارضة السلبي والمناور من الثوابت الاتية:
1- اعتراف او عدم اعتراف المعارضة علنا بالنص الدستوري الحالي: وفي هذا الاطار نرى ان اي مشاورات جديدة لتشكيل حكومة يجب ان تبدأ بتوجيه السؤال الى المعارضة عن موقفها من الدستور ونصوصه وعما اذا كانت مستعدة للاعتراف بالدستور وباحكامه علنية امام الشعب.
2- في مرحلة ثانية يجب ودائما قبل الخوض في التشكيلة الحكومية على تعقيداتها من اسماء وحقائب وسواها – سؤال المعارضة عن موقفها من نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة وهل تؤمن حقيقة بوجود اكثرية واقلية نيابية افرزتها النتائج – يجب بالتالي التعامل مع تلك المعادلة بما تمليه مبادئ النظام الديمقراطي الذي اعتدت بها المعارضة لرفض ما أسمته "فرض غير ديمقراطي لاسماء وزراء ممثلة لقواها من دون اخذ رأيها".
3- وفي مرحلة ثالثة نرى وجوب طرح السؤال على المعارضة عما اذا كانت توافق على حكومة وحدة وطنية يكون لللاكثرية اكثريتها وللاقلية اقليتها فيها وما تعنيه المعارضة بالارقام والمفردات بحكومة وحدة وطنية.
4- ففي حال جاءت الاجوبة على تلك الاسئلة ايجابية وتصب في مصلحة الوطن – كل الوطن – يمكن براينا الشروع عندها في المشاورات للتأليف ومن ثم الى ابعد من ذلك – واذا كانت الاجوبة سلبية فهذا يعني ان المعارضة ماضية في منع قيام حكومة تحكم في ضؤ قرار داخلي وخارجي بعدم ترك الموالاة الجديدة او الاكثرية تحكم على حد ما كان قد سربه احد قادة المعارضة منذ فترة – ما يحتم على الاكثرية في مثل هذه الحالة استخلاص العبر واتخاذ القرارات المصيرية التي قد تصل الى حد تشكيل حكومة اكثرية مشكلة من وزراء من مختلف الطوائف ( للحفاظ على ميثاقية الحكومة طائفيا ) من بين المؤيدين او المنتسبين الى الاكثرية .
5- فالمعارضة خسرت فرصة كبيرة بعرقلتها مهام الرئيس المكلف وحمله على الاعتذار وهي التي حصلت منه على ما فاق تصورها هي ربما – وبالتالي اصبحت الاكثرية بعد الاعتذار سياسيا ووطنيا واخلاقيا بحل من اي التزامات واي تفاهمات او اتفاقات – والمعارضة لم تحترم كلامها ولم تفِ بالتزاماتها الانفتاحية بعد ان استنفدت الاكثرية كافة اوراق الانفتاح ومد اليد الى الشريك في الوطن – منذ اعادة انتخاب الرئيس بري لرئاسة مجلس النواب وعض الاكثرية على جروحها في سبيل بادرة حسن نية كبيرة تعبر عن رغبة باقفال صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة من التعاون والوحدة الوطنية في مواجهة المخاطر ولازمات المحدقة بلبنان والمنطقة مرورا بالتراجع عن النصف زائد واحد ومن ثم عن نصاب الثلثين – وكلها من حقوق الاكثرية التي يتوجب دستوريا وسياسيا ان تتحكم هي بمفاصل القرارات الحكومية كونها الاكثرية النيابية التي انبثقت من وكالة الشعب لها.
لذلك ان عملية اعادة تكليف الرئيس الحريري لم تعد هي الاساس بل حقيقة موقف المعارضة ومدى استعدادها لتسهيل قيام حكومة لبنانية متجانسة وموحدة في لبنان بمعزل عن شروط تعجيزية او عن مواقف مفشلة ومحبطة للنهوض بالوطن وبقراراته.
وبرأينا المتواضع فان المعارضة حزمت قرارها واعلنت حربها على النظام الدستوري الحالي وبالتالي ان كلمة السر هي هي باقية بان لا يسمح للاكثرية بالحكم وبتشكيل حكومة قوية وقادرة لانها ستقف سدا منيعا امام حاجة القوى الاقليمية الى ورقة مساومة اساسية في لبنان متمثلة بملفات السلاح غير الشرعي والمحكمة الدولية لكي لا تنتهي بموضوع الازمات الاقليمية والملف النووي الايراني – ففي هذه الملفات كافة المعارضة ولا سيما قوتها الاساسية ( حزب الله ) بحاجة الى هامش كبير من حرية التحرك من خارج اي نظام حكومي او قرار مؤسساتي لبناني رسمي – الامر الذي يفسر ايضا الاستقتال والاستشراس في التمسك بحقيبة وزارة الاتصالات – حيث ان هذه الوزارة باتت اقوة جهاز استخباراتي وامني وتجسسي لصالح المعارضة – ما يمكن المهارضة من السيطرة على القرار الامني وعلى ملفات المشبوهين والخصوم السياسيين وبالتالي السيطرة على البلد على حساب الدولة واجهزتها الامنية ومؤسساتها الدستورية .
انها ساعة الحقيقة … بكل ابعادها … فاما ان تتنازل المعارضة عن اجندتها الخارجية الخاصة بها وتفك ارتباطها وربطها بالمحاور الاقليمية واما لا حكومة للبنان … الا حكومة اكثرية … وعودة الى اجواء 2005 وما بعدها كي لا نقول الى اجواء 1975 ولو المعدلة.
الدوحة في 10/9/2009