"الشراكة"…
لئلا تتكرر اللعبة وتعود البلاد الى دوامة الشروط والحصص وعرقلة التأليف، من الطبيعي التفاهم على التأليف في موازاة التكليف. ولكي يكون ذلك متيسراً، سيكون من المفيد التوصل الى فهم مشترك لمعنى "الشراكة" حتى وإن تكن تعني فقط توزير السيد جبران باسيل وابقاءه في وزارة الاتصالات. وليس المقصود هنا الغمز من قناة صاحب هذا الشرط رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، بل لأن عملية تأليف الحكومة، كما بات معروفاً، "علّقت" عند هذا الشرط، وقد قالها الرجل صراحة وعلى رؤوس الاشهاد: "لعيون جبران بلا الحكومة"! واعتبر كثيرون ومنهم مؤيدون لعون تلك العبارة "هفوة لا لزوم لها ولم تكن ضرورية".
وإذا كان الامر كذلك، فلا بأس من التفاهم على هذه "القضية" والتوصل الى صيغة ما ترضي الجميع، وإن اضطر الامر الى كسر "قاعدة" عدم توزير الخاسرين في الانتخابات النيابية "أقله في اول حكومة بعد الانتخابات"، او إعطاء حقيبة الاتصالات الى احد اعضاء كتلة عون النيابية مع توزير باسيل. المهم في النهاية التوصل الى حل لهذه العقدة لكي يصبح في استطاعة اللبنانيين القول: اصبح عندنا الآن حكومة!
ولكن ما كان لافتاً جداً مرة جديدة "تقاطع" الغالبية النيابية والمعارضة عند التأكيد تكراراً ان العراقيل خارجية – اقليمية وأما الشروط الداخلية فليست اكثر من تعبير عن هذه العراقيل التي يراها فريق عند المحور السوري – الايراني، وآخر عند المحور الاميركي – الغربي، السعودي – المصري.
واذا كانت العراقيل خارجية – اقليمية فعلاً، وهي كذلك ولا يحتاج امر معرفتها الى طول عناء، فسيكون من الظلم والمبالغة حصر المشكلة بالعماد عون المدعوم من حلفائه وخصوصاً "حزب الله" الذي أعلن تكراراً امتناعه عن المشاركة في حكومة لا ترضي حليفه "الجنرال".
واذا كان الإصرار على توزير باسيل جاء نتيجة حملة اعلامية اتهمت عون بالسعي الى "توزير صهره" وبـ"حصر حقوق المسيحيين بمطالبه الشخصية" وما شابه، وأدت الى رد فعل، كما قال النائب سليمان فرنجيه، فإن من شن هذه الحملة يتحمل تبعة التشبث بهذا الشرط.
وأما اتهام المعارضة الرئيس المكلف سعد الحريري، حتى بعد إعلان اعتذاره عن الاستمرار في التكليف، بأنه "لم يكن يريد تأليف الحكومة" او كان يعمل على "كسب الوقت في انتظار شيء ما"، فقد كان في امكان المعارضة قطع الطريق عليه ومنعه من "كسب الوقت" بإبداء بعض المرونة وإن من باب المناورة للتأكد مما اذا كان الرئيس المكلف تأليف الحكومة يريد حقاً تأليف الحكومة ام لا!
ومن المفارقات انه، وفيما نقل عن الرئيس المكلف قبل الاعتذار قوله: "لو تمت تلبية كل الشروط فلن تؤلف الحكومة بل سيخترعون شروطاً جديدة لأن المطلوب على ما يبدو منع التأليف"، كان رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد يؤكد ان "الضوء الاخضر لم يعط بعد" وأن "العراقيل خارجية مع ترك بعض التفاصيل للاعبين الداخليين". مع الاشارة الى ان العراقيل الخارجية، وفق المعارضة والاكثرية، كل يقرأها على هواه.
وكان لافتاً ايضاً ان مصدراً قريباً من الغالبية النيابية، ولدى سؤاله عن سبب "العناد" في رفض توزير باسيل واعطائه حقيبة الاتصالات، احال السائل على احد العناوين البارزة في صحف ذلك النهار (الخميس الماضي) "لمعرفة الاسباب الكامنة وراء عدم تأليف الحكومة في لبنان"، مشيراً الى خبر لقاء وزير خارجية ايران منوشهر متكي مع سفراء الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن وسفير المانيا حيث سلمهم الاقتراحات الايرانية الجديدة للتفاوض وهي اقتراحات تتطرق وفق وسائل الاعلام الرسمية الايرانية الى "قضايا تتجاوز الملف النووي بما في ذلك الازمات في العراق وافغانستان ولبنان والاراضي الفلسطينية".
ولعل ما زاد "الطين بلة" مرة جديدة وافسح في المجال امام الاسترسال في الاستنتاجات، تلك الصواريخ المجهولة المصدر التي اطلقت قبل يومين من "القليلة" في منطقة صور وسقطت في مستعمرة اسرائيلية، واستتبعت بقصف اسرائيلي مركّز على المنطقة نفسها. وكان من الطبيعي ادراج تلك الصواريخ في اطار "الرسائل"، وإن على حساب لبنان والشعب اللبناني وأمنه واستقراره.
وأياً يكن مصدر هذه الرسائل، فان لبنان كله – شعباً وجيشاً ومقاومة – معني بمعرفة الجهة التي تقف وراء مطلقي الصواريخ، وقد تكون اسرائيلية تغطية لعمل ما، من يدري؟ وهي بالتأكيد ليست صواريخ مقاومة، بل هي "مشبوهة" كما وصف أمثالها ذات يوم الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وفي كل الحالات، هي تصب في اطار "الاسباب الموجبة" لعدم استمرار ترك البلاد بلا حكومة لغايات ومآرب شتى…
فهل يعرف اللبنانيون هذه المرة، والجنوبيون خصوصاً، من ذا الذي "يضرب ويهرب" ويضع مصير أطفالهم في مهب الريح؟