كتب سامر القسيس في “المسيرة”- العدد 1448:
“ملالتي”، هي الكلمة التي يطلقها كل مقاتل في “القوات اللبنانية” على ناقلة الجند “أم 113“، بخاصة إذا كان سائقها أو “آمرها”، وتبدو الابتسامة على وجهه لما تحمل له هذه الآلية من ذكريات في ساحة القتال، وكأنها صديقة له، أو أم حنون أمنت له الدعم والمساعدة في الأوقات العصيبة، ونام في داخلها أياماً طويلة على الجبهات.
هي ناقله الجند المدرعة، الأميركية الصنع “أم 113“، التي دخلت الخدمة في الجيش الأميركي في ستينيات القرن الماضي، واستعملها للمرة الأولى جيش فيتنام الجنوبية في حرب فيتنام. أما في الشرق الأوسط فقد استعملها الجيش الأردني في حرب “الأيام الستة” في العام 1967، ومن ثم دخلت الخدمة في بعض الجيوش العربية، ودول المنطقة كإسرائيل وتركيا وإيران.
دخلت ملالة الـ”أم 113″ الخدمة في الجيش اللبناني في بداية السبعينات (وتم لاحقاً تسليم بعضها لقوى الأمن الداخلي) واستخدمت في المناوشات بين الجيش اللبناني والتنظيمات الفلسطينية في العام 1973، حيث تم إحراق بعضها.
في العام 1975 اندلعت الحرب اللبنانية، وامتلأت الشوارع بالأسلحة والمقاتلين، لكن الأحزاب المسيحية عانت من شبه إنقطاع في الأسلحة، خاصةً الثقيلة منها، فاستعاضت عن ناقلات الجند المدرعة بتدريع بعض الشاحنات، ثم إنقسم الجيش اللبناني بعد حركة أحمد الخطيب وتأسيس “جيش لبنان العربي”، فانتقلت أسلحة الجيش ومدرعاته إلى أيدي الأطراف المتقاتلة، وهكذا وصلت بعض ناقلات الجند إلى حزبي “الكتائب” و”الأحرار” وغيرهما، واستعملت في معارك عدة. واشتهرت ملالات الـ “ب ج” والـ “أس كا أس “لدى “الكتائب” و “المدمّرون” لدى “الأحرار”، وتم تزيينها بالشعارات الحزبية وصور القادة والقديسين ووضعت صلبان وأيقونات كبيرة عليها.

البدايات مع الـ”أس كا أس”
في تموز 1980 توحدت القوى العسكرية المسيحية تحت إسم “القوات اللبنانية بقيادة الشيخ بشير الجميل، الذي عمل سريعاً على تنظيم قواته المسلحة على طريقة الجيوش النظامية المحترفة، فجمع مختلف الأسلحة، من ضمنها ناقلات الـ “أم 113” )وكان عددها ١١) فأعطيت لوحدات أدونيس التي تحولت إلى قوات مشاة ميكانيكية تقاتل من خلال هذه الملالات، وقد استعملتها لأول مرة (كقوات لبنانية) أثناء حرب زحلة في الدفاع عن مرتفعات صنين، لكن سرعان ما تدخل سلاح الجو السوري عبر إرسال مروحيات لإنزال جنوده على المرتفعات، ومروحيات “غازيل” (المضادة للدبابات) التي قامت إحداها بإطلاق صاروخ على إحدى الملالات أدى إلى تدميرها.

مزوّدة بمدفع غير مرتد عيار 107 ملم
في بداية العام 1983 بدأت “القوات اللبنانية” بالتحضير لإستحقاق جديد، ما عرف لاحقاً بـ”حرب الجبل”، فقامت بتدريب وحدات قتالية عدة على مختلف أنواع الأسلحة، منها ناقلات الجند “أم 113”. عن هذه المرحلة يقول الرفيق جو كنعان من ثكنة قصارجيان (عين الرمانة): “قبل حرب الجبل بأشهر تم إرسال سرية (بقيادة أمين حاتم) من ثكنة قصارجيان إلى اللقلوق للتدرب على القتال بالملالات، والسرية مؤلفة من ثلاث فصائل (بقيادة سمير بو يونس، وجورج عيد، و”الأبرص”( لتكون على قياس الملالات التسع التي سيتم تسليمها لهم حسب نتيجة التدريبات، وقد تمت الاستعانة باختصاصين في الحرب الميكانيكية، وتم تدريب السرية على القتال من الملالات وطريقة الترجل منها، والإقتحام، وتحرير نقاط العدو ومن ثم الصعود مجدداً إلى الملالات، وكانت النتائج مذهلة للمدربين والخبراء. فمقاتلو عين الرمانة وإن لم يستعملوا الملالات من قبل، لكن قدراتهم القتالية كانت عالية، كذلك قدرتهم على إستيعاب التدريبات والتقنيات الجديدة. ثم اقيمت مناورات بالذخيرة الحية، حيث قمنا بمواكبة بعض الدبابات في تنفيذ عمليات إقتحام”.

مزوّدة بسلال (وحدات أدونيس)
ويضيف جو: “قبل إندلاع حرب الجبل تم إرسالنا إلى سوق الغرب، ولهذه الملالات الفضل في السيطرة على المواقع التي اخلاها الجيش الإسرائيلي، والدفاع عن الخطوط الأمامية لسوق الغرب. بعد سوق الغرب ذهبنا إلى الشحار الغربي بعد أن تم نقل الملالات بالبحر، واشتركنا في القتال، وكانت خسائرنا أقل ممن سبقنا من وحدات أدونيس والمغاوير لأنهم لم يكونوا مزودين بملالات، وبعدها انتقلنا إلى جبهة الدبية البرجين وعين الحور، وهناك استرجعنا المواقع التي كانت تراجعت منها “القوات اللبنانية”، وقمنا بتنفيذ التدريبات التي خضعنا لها بحذافيرها، كالهجوم على موقع ما، والترجل من الملالة، والدخول إلى المنازل المحصّنة تحت تغطية الرشاشات الثقيلة، وصد أي هجوم تتعرض له مواقعنا، وتزويد المقاتلين بالذخيرة بعد كل جولة قتال، ونقل الجرحى إلى أقرب مستوصف ميداني.

وصليب المقاومة على المقدمة
لقد كانت خدمات الـ “أم 113” كبيرة جداً خلال تلك المعارك، فقد أصبنا مرات عدة بقذائف هاون أو مضاد للدروع، أو رشقات مدافع مضادة للطائرات (طبعاً اصابت غير مباشرة بل على أطراف أو قرب الملالات) فنجونا بأعجوبة، فلو كنا في شاحنات أو سيارات جيب كما كنا نقاتل سابقاً لكانت اصاباتنا أكثر بكثير. كما أن العمليات القتالية من هذا النوع تتطلب كميات كبيرة من الذخيرة كطلقات البنادق والـ “آر بي جي” والقنابل اليدوية، فكانت الملالات تؤمن لنا كل ما نحتاجه من الذخائر والدعم الناري، إضافةً إلى هاون عيار 60 ملم يستعمل عند الحاجة”.

مضاد للطائرات 23 ملم (الكتيبة 77)
في العام 1984 إستمر القتال على جبهات عدة، وإندلعت “إنتفاضة 6 شباط ” فسيطرت ميليشيات أمل وحلفاء سوريا على “بيروت الغربية”، وسيطر “الحزب الإشتراكي” على الشحار الغربي، فخسر الجيش اللبناني الكثير من مواقعه وآلياته (بخاصةً اللواء الرابع)، فقامت “القوات” بجمع العديد منها، إضافةً إلى عدد كبير من الشاحنات والآليات المختلفة، ونقلتها بحراً إلى “بيروت الشرقية”، وهكذا دخل الخدمة في “القوات” المزيد من ناقلات الجند (وبعضها “قيادة وعمليات “أم 577” أو حاملة هاون “أم 125”)، ليتم فيما بعد تأسيس كتيبة مشاة ميكانيكية، تعتمد أولاً على القتال ضمن سرايا مجهزة بهذه الناقلات، وقد تم تزويد بعضها بأسلحة دعم إضافية كالمضادات للطائرات.

هاون 120 ملم
بعد تولي الدكتور سمير جعجع قيادة “القوات” في العام 1986، سعى إلى تطوير “القوات اللبنانية”، أولاً من حيث نوعية التدريب والتجهيز، وثانياً من حيث تكبير حجمها، من مجرد فصائل وسرايا قتالية، إلى كتائب وألوية، ومن ضمنها لواء الدفاع (لواء النخبة) الذي ضم الكتائب 61 و 62 و 63 وكانت الـ “أم 113” عمودها الفقري. وبعد ذلك تم استخدام بعض هذه الملالات المجهزة بمدفعية هاون في فوج الهواوين.

ملالة أبو مدين وحدشيتي (وحدات المغاوير)
إضافةً إلى كل ذلك، فالـ “أم 113″، لم تخدم فقط في السرايا والكتائب التي ذكرناها، بل تم فصل بعضها إلى جبهات أو كتائب وسرايا مستقلة أخرى.
في الأساس كان تسليح الـ “أم 113” عبارة عن رشاش عيار 12.7 ملم، أضيف إليها فيما بعد (فترة وحدات ادونيس ) ثلاثة رشاشات من نوع MAG أوBrowning عيار 7.62 ملم، تزيد من الدعم الناري، كما تم تزويدها بسلال على جوانبها لتحميل المزيد من العتاد وإضافة بعض الحماية لها من بعض الأسلحة.
في فترة ما بعد 1984، وعندما ازدادت أعداد الملالات. تم تزويد بعضها بعدد من الأسلحة، منها المضادات للطائرات مثل ZU-23 23 ملم (فوهتان) أوZPU-4 14.5 ملم (أربع فوهات). وكانت هذه المضادات كفيلة بتقديم دعم ناري هائل قادر على تدمير الكثير من الأهداف المعادية، براً وجواً.
كما تم تزويد بعض الملالات بمدفع عديم الإرتدادB-11 عيار 107 ملم (روسي) أو M-40106 ملم (أميركي) مما يجعل الملالة قادرة على مواجهة معظم الأهداف بما فيها الدبابات.

الرفيق جو كنعان داخل “ملالته”
لقد اشتركت الـ “أم 113” تقريباً في كل المعارك، من حرب السنتين وتل الزعتر والأسواق، الى الشمال والكورة والكحاله ومعارك المتن وحرب المئة يوم وصولا إلى حرب الجبل والشحار الغربي وإقليم الخروب وشرق صيدا، والإنتفاضة الأولى والثانية، وعملية 27 أيلول، ومعارك حرب الإلغاء، وشهدت على كل التضحيات والمشقات التي قام بها مقاتلو “القوات” خلال سنين الحرب الطويلة.
بعد إنتهاء الحرب اللبنانية في العام 1990، قامت “القوات اللبنانية” بتسليم معظم أسلحتها الى الجيش اللبناني بما فيها ناقلات الجند “أم 113″، بعكس كل باقي الميليشيات التي إما لم تسلم سلاحها، أو سلمت كميات رمزية منه، أو قامت بتسليمه إلى الجيش السوري.

مع مدفع 106 ملم
“أم 113” التي دخلت الخدمة في الجيش اللبناني في بداية السبعينات، واشتركت في كامل أحداث الحرب اللبنانية، أكملت خدمتها حتى اليوم، واشتركت في مزيد من المعارك، ويبدو أنها ستبقى في الخدمة على الأراضي اللبنانية لوقت طويل، وستبقى السند الأول لمن يستعملها.

كتيبة الهواوين

تسليمها إلى الجيش اللبناني في أيار 1991