الرئيس بشير الجميل ولبنان "الدولة" التي اغتيلت في 14 أيلول..
كانت لحظة اغتيال بشير الجميل لحظة صاعقة، بعدما استطاع في واحد وعشرين يوماً فقط أن يختصر كل المسافات العدائية بين اللبنانيين، ليصبح رئيس الدولة الآتية. .هكذا ظننا، إلا أننا بعد ظهر يوم 14 أيلول نمنا على عتمة كهرباء غير متوفرة في منطقة الطريق الجديدة على خبر نجاة الرئيس المنتخب من انفجار استهدفه، وصحونا على "هدير" الطائرات الآتية، وحاجز الجيش الذي اختفى من ساحة أبو شاكر وعلى نبأ صاعق: "مات بشير الجميل في الإنفجار".. وعلى رغم اجتياح العاصمة بيروت والفرار الذي كابدناه من قصف الدبابات الإسرائيلية، كان ثمة حزن يعلو كل الوجوه ووجوم يخنق الأصوات، فالذي سقط كان "الرئيس" الذي وعد وعوداً كثيرة تمنينا لو تحققت..
لو قدّر لبشير الجميل أن يحكم لبنان، وبحسب خطاب القسم الذي لم يُتِح له أن يقسمه فقد "عُقدت" مصالح كثر على اختفائه فوقع الانفجار.. ما أحوجنا اليوم إلى بشير، بل منذ العام 1991، لكنّا وفرنا على أنفسنا وعلى لبنان الكثير..لو أصغى البعض لمبادرة بشير في 3/11/1981 لحلّ الأزمة اللبنانية والتي اختصرها في أربعة بنود.. ولو أصغى البعض لتحذيرات بشير الجميل العام 1980، فقد كان أول من نبّه اللبنانيين من الخطر الإيراني المقبل على المنطقة ولبنان، وبعد اغتياله بعام في خريف العام 1983 كان انفجار مقر قوات المارينز والوحدات المظلية الفرنسية الدليل الدامي على مخاوف بشير الجميل المبكّرة جداً، ولكن الـ "لو" لا تجدي نفعاً فلا ثمرة لها إلا "يا ليت"!!
عام 1992 في ذكرى اغتياله العاشرة نشرت جريدة النهار نصّ خطاب القسم الذي لم يُلْقه بشير الجميل.. اليوم وفي العام 2009 كنا نودّ لو أعيد نشر خطابه هذا لنكتشف أنه كان ينظر إلى الواقع اللبناني بـ"عيني صقر".. وخطاب قسمه هذا "أقترح" أن يضم كوثيقة تاريخيّة إلى كتب التربية والتنشئة الوطنية، لأنه يعلّم اللبنانيين "المواطنة" والولاء للبنان، فكثيرون منهم تنقصهم هذه التنشئة والتربية.. ولأن خطاب قسمه هذا دليل صارخ على أن مصيبة لبنان كانت دائماً في ارتهان قسم من شعبه للآخرين، كأن بشير كان يستشرف أن قادم الأيام سيحمل تعطيل المجلس النيابي، وسيحمل كل هذا الارتهان للخارج، وفي قسمه هكذا تصوّر بشير الجميّل لبنان ودولته ورئيسها وشعبها ومؤسساتها الدستورية:
"لا أقسم اليمين الدستوريّة أمامكم لتكونوا شهوداً فحسب، بل شركاء انتخبتموني، ساعدوني. وإذا قضى النظام الديموقراطي البرلماني بأن يُؤدّى القسم عبر مجلس النواب، من دون سواه، فلكي يُلزمه قبل سواه مساعدة رئيس الدولة في اشتراع وإقرار كل ما يؤول إلى تنفيذ القسم القاضي باحترام دستور الأمة اللبنانية وقوانينها، وحفظ استقلال الوطن وسلامة أراضيه. لكن لا الدستور مصون، ولا القوانين مطبقة، لا الاستقلال كامل، ولا الأرض محررة، لا الوطن سيّد، ولا الأمّة موحدة، إنّ قسمي على روح غائب"… ما الذي تغيّر اليوم؟ مازال القسم على روح غائب، وإن حضر الذين يقسمون بأبدانهم وأرواحهم، فنفوسهم عاجزة عن أن تكون بهمّة بشير وجرأته..
نظرة بشير الجميل إلى رئاسة الجمهورية، نظرة لا تحتاج إلى الكثير من الفذلكات..لا ترويكات، ولا تبعية وتعيين، ولا رئاسة توافقية عاجزة ومشلولة.. الرئاسة في عقله لو طبّقت كما رآها ربما لما احتاج لبنان إلى حروب تدميرية تقودنا إلى اتفاق"الطائف" الممنوع من التطبيق:"الرئاسة قيادة لا حراسة . الحراسة يقظة جامدة، القيادة يقظة متحركة. سأتحمّل كل مسؤولياتي بعزم، سأمارس كل صلاحياتي بحزم، سأواجه كل قضية بحسم.. لا تأجيل لاستحقاق، ولا تمييع لموقف، إنّ التأجيل خوف والتمييع ضعف، بينما نحن أمّة شجاعة قوية"، لم يأتنا رئيس بعد يملك شجاعة بشير ووضوح موقفه، كلّه "مائع" في "معمعة" "الوحدة الوطنية"!!
حدّد بشير الجميل دور الموالاة والمعارضة، أليست هذه هي الآن "خوانيق" لبنان التي ستزهق روحه خصوصاً هذه الأيام، واقرأوا جيداً لتعلموا كم كان بشير الجميل ثاقب النظر في أزمات لبنان:"إنّ الدولة وحدة لا تتجزّأ، تُقبل بكلّيتها، أو ترفض بكلّيتها. ولا يحقّ أساسأ لأي فئة أن تُعارض الشرعية في ممارسة حقوقها، بل واجباتها، للدفاع عن شعبها. فالمعارضة تقف عند سياسة الدولة ولا تطاول مؤسساتها. معارضة سياسة الدولة ربما هي ضرورة برلمانية. معارضة مؤسسات الدولة هي حتماً ضرر وطني . إن مثل هذه السلطة تحقق الوفاق. الوفاق حكم لا لقاء، إرادة وطنية لا إجماع وطني. (…) الإجماع الوطني تسوية ديموقراطيّة، الوفاق قناعات موحدة تجاه الوطن، لا تنازلات متبادلة بين فئات الوطن – وهذا الكلام برسم المنظّرين الذين يطالبون بأقصى التنازلات ـ التنازل افتئات من حقّ، وهذا يترك انزعاجاً. الاقتناع صدى الحقّ، وهذا يترك ارتياحاً . الوفاق أكثرية موالية وأقلية معارضة. والمعارضة جزء من الوفاق مثلما الموالاة.
أما كيف رأى بشير الجميل هذا الكيان، فكما نراه نحن اليوم فسبقنا بأكثر من ربع قرن:"يجب أن يبقى مجتمعنا اللبناني أصيلاً حراً منفتحاً ومتعدداً . أصالته التراثية لا تعوق انطلاقته الكونيّة. انفتاحه الشمولي لا يطغى على جوهره الذاتي . حريّته المتنوعة لا تُسيء إلى حرمة نضامه . تعدديته الحضارية لا تؤثر على وحدته السياسية والكيانية . فلا أولوية في الولاء، ولا شركة في الولاء، ولا ولاء إلا للبنان"..ألا يستحقّ هذا الكلام أن يكون دستور "مواطنية" و"وطن"؟؟
إلى أجيال سمعت ببشير الجميل الرئيس الذي انتخب واغتيل ورأى فيه قسم من اللبنانيين انتصار لبنان، والقسم الذي تحالف ضدّ لبنان وصمه بأنه "جاء إلى الرئاسة على متن دبابة إسرائيلية" لا تنقسم آراء الناس إلا في الكبار، إلى أجيال عرفت تناقضاً في المشاعر تجاه بشير، إلى أجيال لم تعايش تجربته وصعوده ونجمه الذي هوى.. إلى أجيال قال لها ذووها: "كان بشير الحلم والمنقذ والبطل والأمل"، وأجيال أخرى قال لها ذووها: "كان بشير شرساً ميليشاوياً دموياً تسبب بمجازر كثيرة"، والذين عاصروه كانت مجازرهم أكثر بكثير… جيلي، عرف بشير الجميل، عايش تجربته، وكان بالنسبة لمنطقتي عدوّاً، إلا أنّ منطقتي كانت تخاف من شذاذ الآفاق في المنظمات الفلسطينية الفالتة، وكل الحرمات التي انتهكتها في شوارعنا، ولم تخف يوماً من بشير مثلما خافت هؤلاء، فما فعله بنا "الغريب" أكثر بكثير مما فعلناه بحقّ بعضنا البعض..
إلى هذه الأجيال الثلاثة التي لم تعرف بشير، هذه شهادتي: لبنان كان يستحقّ رئيساً للجمهورية ليبني لنا دولة.. لا مزرعة، كما كان يردّد دائماً.. يوماً ما سينصف بشير الجميّل أعداؤه قبل محبيه.. لأنه أول من قال لنا في مطلع شبابه: "لبنان أولاً"، واحتاج من اعتبروه خصماً إلى عقود من الزمن، إلى نصف قرن تقريباً لينتهوا من حيث بدأ بشير الجميل، إلى: "لبنان أولاً".. وأخيراً أيضاً..