الصواريخ المشبوهة والقرار 1701
"أعلل النفس بالآمال أرقبها
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"
الطغرائي
في أرشيف المخابرات الإسرائيلية التي كانت تدعى في السابق "عاليا ـ ب" سلسلة من الاعترافات المنشورة تبيّن أن أجهزة هذه المخابرات لم تتورع عن التضحية بأعداد كبيرة من اليهود في سبيل الهدف الأساسي المتمثل ببناء دولة إسرائيل. وقد اعترف قياديو هذه المخابرات بإحراق كنيس في بغداد والتسبب بوفاة عدد من اليهود لدفع من بقيَ منهم في العراق للهجرة الى إسرائيل. كما اعترف آخرون بأن عمليات التخريب التي قام بها عدد من اليهود المصريين بعد ثورة 1952 كان هدفها أيضاً حدوث ردات فعل من القيادة المصرية بحق اليهود الذين كانوا يومها متمسكين بالبقاء في مصر لدفعهم أيضاً الى الهجرة.
وقد اعترفت هذه الأجهزة بعمليات مماثلة في أماكن مختلفة من العالم ولم يتحاش حتى إسحق شامير في وقت من الأوقات التعامل مع المخابرات النازية لتمرير أمور كانت تعتبر أساسية في عملية هجرة اليهود التي كوّنت العصب الأساسي لقيام دولة إسرائيل.
لماذا هذا الكلام الآن؟ لأن ما حدث من إطلاق الصواريخ المكتومة المسؤولية على شمال الأراضي المحتلة، يعيد التركيز على هشاشة الوضع في الجنوب على الرغم من انتشار الآلاف من الجنود الدوليين واللبنانيين، وعلى الرغم أيضاً من انتشار أعداد غير محددة، ولكنها تقدّر أيضاً بعشرات الآلاف من عيون "حزب الله" في مختلف القرى والدساكر. ما يعنيه هذا الكلام هو استمرار الحالة الأمنية الرمادية شمالي نهر الليطاني، واستمرار الازدواجية الأمنية بين ما هو مقاومة وتابع لـ"حزب الله"، وبين ما هو شرعي وتابع للدولة، مما يفتح المجال بشكل كبير لتسرّب عناصر وأسلحة تحت ستار المقاومة للعبث بالوضع الجنوبي. وتحت نفس المظلة الرمادية الأمنية والسياسية يمكن لعناصر مغامرة أو عقائدية أو أصولية أو موعز لها من نظام إقليمي أو دولي، أن تدخل الى أرض يبقى لون السلطة فيها رمادياً خصوصاً بعد وضوح محدودية السلطات التي تتصرف من خلالها القوات الدولية منها واللبنانية، بعدما ظهر من حادثة تفجير مخزن الأسلحة في خربة سلم، والتي منعت فيها القوات الدولية من الوصول الى موقع الحادث تحت ضغط "الإرهاب الشعبي" المنظم بالطبع من قوى الأمر الواقع الجنوبية تحت شعار المقاومة.
ولكن الأخطر من كل ذلك هو إمكانية تسلل مجموعات مدفوعة من قبل العدو الإسرائيلي لتسدد ضربات قد تبدو موجعة نحو الأراضي المحتلة، مما سيشكل دافعاً للقيام باعتداء واسع النطاق على لبنان، بدعم وتأييد من المجتمع الدولي لكونه دفاع عن النفس كما حدث في حرب تموز 2006. في الوقت نفسه، قد يجد قادة العدو في توجيه ضربة لـ"حزب الله" فرصة لاستدراج إيران الى أرض المعركة، ومن ثم استدراج الولايات المتحدة الأميركية وباقي العالم للرد على الجمهورية الإسلامية، خصوصاً بعد النفاد القريب لكل وسائل الحوار والمفاوضات والعقوبات.
ما يهمنا من كل ذلك في الواقع هو أن رحى المعركة الأساسية ستدور على الأراضي اللبنانية، ما سيؤدي الى كارثة متكررة قد تكون أدهى من حرب 2006، وقد يكون العالم يومها غير قادر على مد يده لوقف الحرب أولاً ومن بعدها للمساعدة في محو آثار العدوان مجدداً، خصوصاً إذا توسع نطاق الحرب وأخذ أحجاماً إقليمية. بالمحصلة، فإن المخرج المنطقي هو بإزالة أسباب الوضع الرمادي والتسليم بسلطة الجيش اللبناني ومن خلفه القوات الدولية من دون تذاكٍ أو حذلقة تتقنهما قوى الأمر الواقع تحت مسمى مقتضيات المقاومة. يضاف الى ذلك الوضع الهش على المستوى الحكومي والذي يساهم "حزب الله" في زيادته من خلال تعطيل تأليف الحكومة والإصرار على الخطاب الاستفزازي الذي يستعمله قادته لاستدراج ردات الفعل. هذا ما يترك بالطبع الوضع مفتوحاً على كل الاحتمالات، وهذا ما يعني ضرورة تأليف الحكومة وتسهيل مهمة الرئيس المكلّف.
هناك افتراض منطقي وهو أن منظومة "حزب الله" الأمنية قد فشلت، ولمرّات عدة في كشف أو منع الجهات التي أطلقت الصواريخ، وهذا يعني أن هذه المنظومة هي في وضع هش! إلا إذا كان الحزب عالماً أو مسهّلاً أو مشاركاً في هذه الأعمال وهو وضع لا يقل خطورة عما سبق.
في الوقائع فإن ضعف الصواريخ التي أطلقت وعشوائية أهدافها، والرد الإسرائيلي المحدود، يؤكدان على أنه لم يكن هناك نية من أي من الطرفين لفتح جبهة على نطاق واسع، ولكن استمرار الوضعين السياسي والأمني كما هما قد يفتح المجال لمغامرة أكثر جدية في المستقبل.
الحل المنطقي هو بالتزام القرار 1701 بكل مضامينه وتوابعه من القرارات وأهمها 1559 الذي قد يكون السبيل الوحيد لتفادي كارثة متجددة ستأتي عاجلاً أم آجلاً على لبنان.