
إن تطلق الدعوات من فرقاء لبنانيين للتوافق على رئيس للجمهورية يتم انتخابه، امر فيه من الايجابية والمشروعية ما يمكن ان يبرر نوايا مطلقيها. اما ان تأتي الدعوة من “حزب الله” بلسان رئيس تكتله النيابي النائب محمد رعد ففي الامر مدعاة استغراب خصوصاً عندما يستفيض النائب رعد في موقفه باشارته الى ان لا خيار امام اللبنانيين مهما شرق بعضهم او غرب في ولاءاته واتجاهاته ورهاناته الا ان يعودوا للتوافق فيما بينهم كسبيل وحيد لملىء الشغور الرئاسي وتحريك عجلة المؤسسات الدستورية…
فهذا الكلام يستوقفنا امام الملاحظات الاتية:
أولاً: بات علينا كلبنانيين وعرب عقد مؤتمر لغوي عربي متخصص في شرح المفردات والكلمات والمعاني في اللغة العربية الغنية والمنوعة الفاظاً ومعان وصور، وخصوصاً لشرح المطابقة الممكنة بين المفردات المستعملة من “حزب الله” في ادبياته وخطابه السياسية وبين حقيقة معاني وابعاد تلك المفردات وليس اقلها عبارة “التوافق”، ذلك ان ما نفهمه بالتوافق نوع من اتفاق ورضى بين فريقين او اكثر بينما في الحقيقة ان التوافق لدى “حزب الله” يعني الاذعان لوجهة نظر واحدة يتبناها هو على قاعدة انها هي وحدها الصحيحة وكل ما عداها نظريات ساقطة ومرفوضة.
فمن يمنع التوافق الوطني في الحقيقة بالمفهوم اللغوي الصحيح هو الحزب نفسه الذي ما زال الى الان يمعن في فرض مرشحه للرئاسة تارة بكلام صارم وقاطع كما يفعل الشيخ نعيم قاسم وتارة بكلام مبطن توافقي الشكل زجري الجوهر كما يفعل النائب رعد نفسه. فالتوافق شيء وتبني ترشيح شخص شيء اخر، نحن لا نمانع في ان يختار كل فريق مرشحه للرئاسة وهو حر في اي مرشح يراه صالحاً.
ولكن ما نرفضه رفضاً قاطعاً ان ينحو الحزب اتجاهاً ونهجاً واسلوباً ملتوياً في فرض مرشحه للرئاسة على قاعدة الشيخ نعيم قاسم اما مرشحنا واما لا رئاسة… فكيف يكون عندها التوافق؟ ومن يقف في وجه هذا التوافق؟ وهنا يكفي التذكير بالمبادرات التوفيقية حقاً التي قدمها المرشح الرئاسي الدكتور سمير جعجع في عز حملته الانتخابية على مدار الجلسات الانتخابية المؤجلة والتي تدرجت في ايجابيتها الى حد الانتقال من مرحلة طرح ترشيحه الى مرحلة القبول بأي مرشح توافقي لا بل القبول بالعماد ميشال عون نفسه رئيساً ان تم التوافق عليه – فهنا يكون التوفيق وهنا يعطى للتوافق معناه الصحيح والصادق.
فالتوالق الذي يشير اليه النائب رعد هو التوافق على مرشحه اي فرضه – في وقت العماد نفسه لم يعد يعتبر نفسه مرشحا توافقيا وقد انتقل الى مرحلة رفض النظام برمته من خلال اسقاطه الشرعية عن مجلس النواب الحالي الممدد والحكومة الحالية.
ثانياً: نحن مع النائب محمد رعد نريد ان يعود اللبنانيون – كل اللبنانيين – الى التوافق فيما بينهم ليس فقط على ملء الشغور الرئاسي لا بل على كيفية انقاذ لبنان من العواصف العاتية والبراكين المتفجرة من حوله وعلى تخومه. ونسأل رعد: اليس “حزب الله” في طليعة من يرفض التوافق على وقف التدخل في المحيط وحماية الوطن من خلال التحصين الداخلي ودعم الشرعية والقوى الشرعية وحدها؟ اليس “حزب الله” من الفرقاء الذين “شرقوا” كثيراً بصراحة وعلنية مواقفه الموالية للنظام الايراني وولاية الفقيه والحرس الثوري الايراني والمجاهر بتدخله لنصرة نظام الاسد وتورطه الدموي المدمر في سوريا واماكن اخرى؟
لقد شرق “حزب الله” اكثر بكثير مما شرق بعض الفرقاء اللبنانيين الاخرين وذهب في “تشريقه” الى ابعد من حدود الوطن العربي… فقد راينا وشاهدنا وسمعنا الى الان اعترافات علنية من قيادة الحزب بشهدائه في ارض الجهاد الجديد في العمق العربي الاسلامي، بينما الى الان لم نر عنصراً مستقبلياً واحداً – مثلا – تنعيه قيادة المستقبل في بيروت وتحرق الارض رصاصاً واهازيج ونحيب وبكاء عليه…
يصح في “حزب الله” ما جاء في انجيل القديس متى “لماذا تنظر القشة التي في عين اخيك واما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها”… فلعل الحزب معلم بامتياز ونموذج صارخ لهولاء اللبنانيين الذين “شرقوا” كثيرا الى حد انحرافهم الكامل عن المسار الوطني الداخلي…
فان يبدأ “حزب الله” نفسه سلوك لغة ونهج التوافق يبقى السبيل الاسرع والاقرب لملء الشغور الرئاسي وتحريك عجلة كل المؤسسات الدستورية وانتظام الحياة السياسية والادارية والمعيشية في البلد…”.
والكلام دائماً بحرفيته للنائب رعد…
