الشيعة يدفعون أثمان مشروع الحرب المفتوحة مع إسرائيل والغلبة في الداخل..
ولا بديل من الطائف
ولا بديل من الطائف
الطائفةُ الخائفة المهدّدة والمحاصرة
نصير الأسعد
في الجنوب هذه الأيام حالةٌ من القلق والخوف. يتهامس الناس حول الحرب الآتية وكأنّها “قدر محتوم”. عددٌ كبير منهم وضّب أغراضه إستعداداً لـ”النزوح” في اللحظة “غير المعروفة” لإندلاع تلك الحرب. بعضٌ آخر يسعى إلى إستئجار سكن له خارج الجنوب يلجأ إليه عندما يحين الأوان. لكنّ سؤالاً يبدو مشتركاً لدى الجنوبيين كافة: هل نُستقبل في كلّ المناطق التي نزحنا إليها أثناء حرب تموز 2006 مثلاً؟ هل يُرحّب بنا أهلُ بيروت والجبل والشمال كما في المرّة السابقة؟.
الطائفة الخائفة والمحاصرة
الطائفة الخائفة والمحاصرة
في الجنوب إذاً، ثمّة طائفةٌ خائفة. في الجنوب، الشيعة خائفون. وخوفُهم الأكبر هو من الداخل اللبناني، بسبب العلاقات المأزومة بين الطائفة الشيعية وسائر الطوائف الاخرى، بل بسبب التأزّم الذي قاد إليه التمثيل السياسي للشيعة مع الطوائف الاخرى.
هذا وجهٌ من وجوه وضع الطائفة الشيعية في هذه الأيام. أمّا الوجُه الآخر فيتعلّق بوضع الشيعة اللبنانيين في عدد من الدول العربية وعدد آخر من دول العالم.
ثمّة تحقيقات تجري مع شيعة لبنانيين على خلفية نشاطات “جالية حزب الله” في هذه الدولة أو تلك. ثمّة مخاوف من أن تتعرّض الأعمال والأرزاق للخطر. وثمّة خشية من أن توصد أبواب التنقّل والسفر من بلد إلى آخر، ومن أن يصبح كلّ شيعي موضع “مساءلة”. هذا مع العلم انّ وضعاً من هذا النوع يصيب الجاليات اللبنانية كلها، أي بكل ما فيها من تلاوين طائفية.
في ما تقدّم ذكرُه توصيفٌ لحال الشيعة في الداخل والخارج. فالشيعة اليوم طائفةٌ خائفةٌ أولاً، ومعزولةٌ ثانياً، ومهدّدة ومحاصرةٌ ثالثاً. فهل ذلك “طبيعي” ومن يتحمّل المسؤولية؟.
“حزب الله” وخطاب الحرب وإستعداء الآخرين
في الجواب عن هذا السؤال، لا مبالغة في القول انّ فريق التمثيل السياسي الشيعي و”حزب الله” تحديداً، يتحمّل المسؤولية.
في الخطاب السياسي لـ”حزب الله” لا تزالُ “المقاومة” أي الحرب رُكناً أساسياً. لم تصبح “المقاومة” مسألة دفاعية بالمعنى الفعليّ للكلمة. ولم ينتقل الحزب إلى “تجيير” القدرة الدفاعية إلى الدولة ولا يزال متمسكاً بـ”إستقلال” بُنيته عن الدولة.
وفي الخطاب السياسي لـ”حزب الله”، خاصّة في الآونة الأخيرة بعد إغتيال قائده العسكري والأمني عماد مغنية، إستحضارٌ للغة “تُحيي” المشكلة مع الدول العربية وتُذكي الصراع مع كل دول العالم إذ يجعل من العالم كلّه ساحةً للحرب المفتوحة مع إسرائيل.
وفي الخطاب السياسي لـ”حزب الله”، فانّ قوى الداخل التي تمثّل طوائف أساسية أخرى هي عدوّة، وهي في جبهة واحدة مع “العدوّ الإسرائيلي والأميركي” ومصيرها من مصير هذا “العدوّ”.
“المشترك” لدى الثنائية الشيعية
هذا في الخطاب السياسي لـ”حزب الله”. أمّا المشترك في الخطاب السياسي لثنائية التمثيل الشيعي أي “حزب الله” و”أمل”، فهو تنحية المسؤولية عن النظام السوري بالنسبة إلى الأزمة اللبنانية، بهدف تصويرها انّها أزمة لبنانية ـ لبنانية داخلية.
وها هو الرئيس نبيه بري في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، لا هدف له سوى تبرئة النظام السوري من التعطيل في لبنان ورمي المسؤولية على فريق الأكثرية.. بل “الأطرف” انّ بري لم يجد ما يقوله إلا انّ أصل الخلاف داخلي وجوهره هو قانون الإنتخاب (!).
المشترك إذاً في خطاب الثنائية الشيعية هو انّ الأزمة اللبنانية ناتجة عن خلاف داخلي، وإنّ هذا الخلاف الداخلي يتمحور حول “المشاركة”. وبين “حزب الله” وبري، فانّ “المشاركة” هي “الثلث المعطّل” تارةً، وقانون الإنتخاب لمصلحة “إخواننا المسيحيين” تارةً أخرى.
وذلك في وقتٍ يعلمُ الرئيس بري خاصةً أن لا مشكلة “مشاركة” في ظلّ اتفاق الطائف.
وإذا كان من “تمييز” يمكنُ تسجيلُه بين بري و”حزب الله” فهو انّ خطاب الأول أقربُ إلى أن يكون “تكتيكياً” بمعنى انّه يأخذ في الإعتبار انّ النظام السوري “مؤثّر” ولا يزال قادراً على “الأذيّة”، فيما خطاب الثاني ـ أي “حزب الله” ـ من طبيعة “بنيويّة”.
الطائفة الشيعية طائفةٌ خائفة ومعزولةٌ ومهدّدة ومحاصرة، وتتحمّل الثنائية الشيعية، و”حزب الله” بشكل خاص المسؤولية عن هذا الوضع الشيعي.
الأثمان الباهظة
وأخذاً في الإعتبار لمضامين الخطاب السياسي، فانّ الطائفة الشيعية خائفةٌ ومعزولة ومهدّدة لأن المبرّر اللبناني لحرب مع إسرائيل إنتفى، فيما للجانب الدفاعي صيغٌ أخرى، ولا أسباب لـ”الحركشة” بحرب إلا أسباب إيرانية. وهي كذلك، لأن “حزب الله” بدلاً من أن يقرأ إغتيال مغنية بوصفه “رسالة” على الخطّ التفاوضيّ بين النظام السوري وإسرائيل، إنّما “يريد” القفز فوق هذه “الحقيقة” وعدم صياغة الإستنتاجات، و”يريد” تحويل الأمر إلى مواجهة مع إسرائيل.
وهي ـ أي الطائفة ـ كذلك لأنّ “حزب الله” يعلن “الحرب المفتوحة” ثمّ يستغرب وصول البوارج الأميركية إلى قبالة الشواطئ اللبنانية السورية، بل يصعّد ضدّ الأكثرية ويهدّدها بـ”الرحيل مع هذه البوارج”، فيما هو من إستدرجها.
وهي كذلك لأنّ “حزب الله” لم يترك للصلح مطرحاً إذ يتمادى في تخوين الآخرين بدلاً من أن يواجه “لحظة الحقيقة” بالفتح على الآخرين.
في وضعها الحالي، تدفعُ الطائفة الشيعية أثمان “السياسة” التي إعتمدتها الثنائية و”حزب الله” خصوصاً. تدفع أثمان دفاع الثنائية عن إيران والنظام السوري. وتدفع أثمان مشروع لا يمتّ ـ في الداخل ـ إلى مصالحها بأيّ صلة.
المفترق..والطائف
من نافل القول إنّ الوضع اللبناني على مفترق وإنّ الطائفة الشيعية على مفترق.
ومع انّ الثنائية تصادر التمثيل السياسي للشيعة، فانّها لا تختزل الطائفة التي تشكّل وضعيتها الراهنة حالةً إنتقالية.
فعسى أن تكون الطائفة الشيعية “آخر طائفة” في لبنان “يجرّب” ممثّلوها “المستحيل”.
وكما كلّ الطوائف، إنّ خلاص الشيعة بالطائف الذي لا مبالغة في القول إنّه آخر صيغ العيش المشترك في كيان موحّد.