#adsense

التحرّك الدولي حيال الفراغ الرئاسي اختلف مع الأزمة الحكومية

حجم الخط

التحرّك الدولي حيال الفراغ الرئاسي اختلف مع الأزمة الحكومية
لا قلق خارجياً مع استمرار الضوابط الحالية

لم تشهد الساحة الداخلية، على رغم استمرار عرقلة تأليف الحكومة منذ ما يزيد على ثلاثة اشهر، تحركاً لموفدين من اي جانب عربي او غربي في محاولة لرأب الصدع عبر مساع او حركة خارجية تشمل بعض الدول الاقليمية، على غرار ما حصل في الازمة التي شهدها الوضع السياسي قبيل موعد الانتخابات الرئاسية وغداة هذا الموعد الذي لم يتأمن فيه انتخاب رئيس جديد، فبقي موقع الرئاسة الاولى خاليا، ستة اشهر قبل ان تؤدي الحركة الخارجية الى تأمين انتخاب الرئيس ميشال سليمان. علما ان تعطيل تأليف الحكومة يكاد يشابه، في ظروفه واطرافه، ما واجه انتخاب رئيس الجمهورية وان تكن العرقلة حتى الآن سياسية وليست ميدانية، من خلال اقفال مجلس النواب والاعتصام في وسط العاصمة.

هذا الواقع يثير تساؤلات عامة من نوع: هل تراجع الاهتمام الدولي بالوضع اللبناني الى حد عدم اللامبالاة، أم ان اللبنانيين يعيشون تناقضا مخيفا بين عدم رغبتهم في التدخل بشؤونهم من جهة، والرغبة في الحصول على مساعدة من خارج نتيجة ارتهان الوضع الداخلي لمصالح دول اقليمية، وذلك بفعل تأثيرات هذه الدول على افرقاء في الداخل او تنفيذ هذا الارتهان عبرهم؟

وترى مصادر مطلعة ان الاهتمام الدولي بلبنان تراجع الى حد ما نتيجة الانصراف الى اولويات اخرى، ولكن من دون ان يعني ذلك تجاهلا او لا مبالاة حيال عرقلة تأليف الحكومة. وتعكس غالبية الدوائر الديبلوماسية انزعاج العواصم الكبرى من هذه العرقلة وحتى من الادوار التي يقوم بها بعض الافرقاء اللبنانيين لمصالحهم الخاصة غير آبهين بما يترتب على ذلك من سلبيات على مصالح الناس ومدى الافادة التي يقدمها هؤلاء الافرقاء الى اصحاب المصالح الاقليمية. لا بل يبدون استغرابا لمدى الاصطفاف الذي يمنع اي رد فعل للناس الذين تغلب القيادات السياسية مصالحها على حسابهم عشية بدء الموسم الدراسي والصعاب الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه لبنان.

لكن الازمة الرئاسية التي عاشها لبنان لا تقاس بالازمة في تأليف الحكومة، باعتبار ان الاولى كانت تتهدد مصير الجمهورية بذاتها. لذلك كان الاهتمام كبيرا بعدم السماح بتهديد لبنان من هذه الزاوية، او السماح باطالة عمر الازمة الرئاسية التي استمرت على رغم هذه المخاوف، ما يقارب ستة اشهر. في حين ان الامر قد لا ينسحب على ازمة تأليف الحكومة. اذ ان الازمة الاخيرة تعبر عن وجود مشكلة في النظام السياسي وتؤشر الى عدم استقرار سياسي ايضا، لكنها لا تهدد مصير لبنان او مصير الجمهورية من اجل ان تسارع الدول الكبرى المعنية لمحاولة انقاذ لبنان من هذه الازمة. الا ان هذا لا يعني عدم اهتمام بل يعكس عدم وجود قلق في المرحلة الراهنة، او غياب اي هلع اقليمي او دولي ما دامت الامور منضبطة تحت سقف امني لا يثير مثل هذا القلق. علما ان بعض التصريحات او المواقف التي تحذر من الفتنة او من تطورات ميدانية خطيرة لم ترق الى مستوى الاعتقاد بوجود رهان على حصول عنف يسعى مفتعلوه الى قلب الامور مجددا كما حصل قبل عامين، او ان الخارج الاقليمي يسعى الى الحصول على مكسب كبير من خلال انقلاب في الداخل. وثمة تخويف من ان "حزب الله" الذي اجتاح بيروت في 7 ايار 2008 يمكن ان يعمد الى امر مماثل دفعا لفرض اتفاق قسري آخر على غرار اتفاق الدوحة. ويعتقد كثر ان المخاطرة التي اقدم عليها الحزب في ذلك الوقت كانت مثمرة سياسيا له ولحلفائه على مستوى المكاسب لكنه واقعيا نجا باعجوبة لان هذه المخاطرة كادت ان تؤدي الى تكلفة قاتلة حين واجهت البلاد خط الانزلاق الى مشارف حرب اهلية لكنها لم تدخلها فعلا. وهذا الواقع قد لا يتكررـ علما ان الحزب حصل على مكاسب سياسية من الاكثرية بعد الانتخابات النيابية بوضع سلاحه، واقناع الآخرين ممن كانوا خصومه في المرحلة السابقة بموقفه الاقصى والتوازن في السلطة، الى حد لم تبد معه معركة تاليف الحكومة معركته بقدر ما بدت معركة حليفه، على رغم انه يستمر في تغطيته. ويقول بعضهم انه قادر على الحصول على كل شيء من خلال الضغط على الآخرين. ولهذه المكاسب السياسية قيمة كبيرة لا يمكن الحزب ان يتجاهلها، ولذلك هو حافظ على خطاب غير متشنج عموما على رغم بعض التصريحات المخالفة.

وثمة عامل آخر لا يشجع على الدخول على الخط من خارج ويتصل بجملة استحقاقات دولية واقليمية من بينها جمود الاتصالات السورية – السعودية على نحو خاص، ولا امل في معاودتها قريبا بعد توجه الرئيس السوري منتصف شهر آب الماضي الى طهران من اجل تهنئة نظيره الايراني باعادة انتخابه واثارة موضوع حلف رباعي بين سوريا وطهران وتركيا والعراق، اذ اظهر ذلك التطور جملة امور تتصل بالسعي السوري الى رفع سقف الشروط في وجه الاميركيين والسعوديين، وان اي مسعى بالتالي مع دمشق لن يؤدي الى ابعاد سوريا عن ايران واعادتها الى دورها من ضمن الدول العربية، لا بل ان التحالف الرباعي الذي طرحه الاسد لا يمكن اعتباره في مصلحة الدول العربية التي هي على جفاء معها، على رغم عدم اهلية هذا التحالف للنجاح لاسباب عدة. بالاضافة الى انه اظهر للسعوديين على الارجح ان المسعى مع سوريا غير مفيد للبنان، بل لعله يكرر تجربة الوساطة العربية ابان الحرب والتي انتهت بوصاية سورية على لبنان، باعتبار ان الدول الاخرى بعيدة عن الاضطلاع دوما بدور في لبنان خلافا لسوريا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل