8 آذار "تعزف" على "تخت" 7 أيار
يدخل الرئيس المكلف سعد الحريري جولته الثانية في ظل واقع سياسي فرض نفسه في الأيام القليلة الماضية، فالحريري وضع حداً للتعطيل الذي أوكلته 8 آذار للنائب ميشال عون، والذي يتأكد يوماً بعد يوم انه يأتي من خارج الحدود، وهو قد لمّح في غير مرة إلى أنه سيعتمد أسلوباً مغايراً عن السابق "ضمن الأطر الدستورية" بعد قناعة تولدت لديه، أن الفريق الآخر ليس بوارد "التعاون المنطقي".
لكن الأفق السياسي لهذه المرحلة، وبقراءة أوّلية، يتضح انه مغاير تماماً لرحلة التكليف الأولى، فما بدأ في حزيران الماضي على وقع تقارب سعودي سوري، واتصالات مستمرة بين الرياض ودمشق أوحت بأن الأخيرة تتجه إلى "تسهيل" مهمة الحريري بما لها من نفوذ واسع على فريق "التعطيل"، يبدو أنه أصبح شبه معدوم اليوم، مع عودة الفريق "السوري" إلى نغمة فرض الاملاءات والشروط على جري عادته في السنوات الأربع الماضية.
يبدأ سعد الحريري جولته الثانية، في وقت تستعر فيه المعركة السياسية، فمن جهة يحاول فريق الأكثرية الإبقاء على سياسة مد اليد والانفتاح على الآخر لإخراج لبنان من دوامة "الفراغ" التي استحكمت فيه الفترة السابقة، ويقابلها فريق الأقلية بمحاولة مدروسة و"خبيثة" للانقضاض على نتائج الانتخابات النيابية الأخيرة، أملاً باستعادة شيء من "الوهج" الذي أطفأته أيادي اللبنانيين في صناديق الاقتراع، فترد الانفتاح "النبيل" بمزيد من التصعيد "الممنهج" دون ان تنسى ورقة 7 أيار التي لا تزال مفاعيلها موجودة إلى اليوم.
الأقلية: عود على بدء
عكست جولة زعيم "تيار المستقبل" على رؤساء الحكومات السابقين، وبالتحديد لقائه النائب ميشال عون، جواً إيجابياً بالمبدأ، لا يمكن فصله عن المرحلة السابقة التي سعى فيها الحريري إلى اختراق "الجمود المتشنج" بإشاعة أجواء التهدئة والإصرار عليها، ولا يمكن سحب "النهج التعطيلي" من الذاكرة، لأنه لا يزال يتحكم بتفكير وتصرف فئة من اللبنانيين تدعي المعارضة، فيما هي تقبض على كل شيء، وبوسائل متعددة.
هذا "النهج المعارض"، يستمر مهما تكن حال التهدئة، بأساليب وعناوين مختلفة. تعود اليوم إلى الواجهة الأقلية لتعزف على نغمات أيار المشؤوم، فتردد على لسان بعض أفرقائها أن "الحال التي نعيشها شبيهة بتلك التي سادت قبل انتخاب الرئيس التوافقي"، وتدخل سوريا على الخط، لتحذر و"تهدد" بعبث أمني "ينتج عن لا ميثاقية تكليف الحريري والذي أدى إلى انطلاقة متعثرة له"، وفي هذا الكلام استعادة سورية، لنغمة سابقة، ورسالة واضحة إلى حلفائها لاستحضار المرحلة الماضية، كبداية لإعادة تكريس واقع سعت من خلاله دمشق إلى العودة بنفوذها إلى لبنان، بعد أن اقتنعت باستحالة "العودة إلى عنجر".
ويغيب عن فريق الأقلية، بعيداً عن الإشارات السورية، أن الدخول في "معمعة" الميثاقية، يدخل البلد في دوامة لا تحمد عقباها، فإذا أرادت الأكثرية مثلاً التعاطي بالمثل مع 8 آذار، باستطاعتها أن تقول أن "لا ثقة لديها بأمور كثيرة" وتسحب عنها "ميثاقيتها"، وبالتالي يُرسم طريق لا عودة منه.
أما الغريب في الحملة السورية انها تحذر "أمنياً" وتهاجم سياسياً، وتلجأ إلى معلومات لديها عن احتمال "انفجار الوضع في المخيمات الفلسطينية"، والمستغرب أكثر، اتجاه المعارضة في الداخل اللبناني إلى تلقف هذه "المعطيات" للاستفادة منها في حملتها، حيث تلجأ إلى استحضار "الموضوع الأمني" كسبب "حتمي" لا ينفجر إلا إذا أخطأت الأكثرية في حساباتها، ولم تسع إلى كسب رضى 8 آذار، وفي هذه المقاربة كشفت قوى "المعارضة" المستور، وما تخبئه للمقبل من الأيام.
استحالة استنساخ التجارب
إلا أنه، وعلى الرغم من محاولة "استعادة الماضي"، يغيب عن بال هذه الفئة أن المعطيات كلها تغيرت، فما يشاع عن وساطة قطرية، أو دوحة 2، تبين أنه في غير مكانه، وإذا صح، فإن التطورات الأخيرة التي طرأت على صعيد العلاقة بين العاصمة القطرية وطهران قللت من إمكانية نجاح أي مبادرة قطرية، على اعتبار أن دمشق تبدي إيران على القبول بتسوية تطرحها قطر على اللبنانيين، لا سيما أن العلاقة السعودية القطرية تشهد تحسناً ملحوظاً بما لا يرضي "المعارضين"، وبالتالي التعويل على "تهويل" يأتي بدوحة 2 أو بيروت 1، لا محل له من الإعراب في طور التجاذبات الإقليمية الحاصلة.
وتأسيساً على ما تقدم، تبدو المرحلة شديدة التعقيد، ولا يظهر في الأفق نية لدى فريق الأقلية في تسيير أمور البلاد والعباد، وخير دليل على ذلك، انضمام الرئيس نبيه بري إلى الممتنعين عن تسمية سعد الحريري لتأليف الحكومة، ورب سائل، هل يوافق من كان يحرص على التخفيف من حدة الانقسام على مقولة حلفائه بـ"لا ميثاقية الحريري"؟ وهل تكفي النية في التعاون دون ان تتحول إلى أفعال ولا تبقى حبراً على ورق؟ أما التعويل على المعادلات الرقمية التي تجمع الـ"س س"، فهل من الممكن أن يبقى متحكماً بتأليف الحكومة اللبنانية؟ وهل باستطاعة الأفرقاء الخروج من هذا النفق، إلى القول علانية ان بمقدورهم تبدية المصالح العليا للوطن على أي ارتباط وبالتالي، والامتناع عن ممارسة سياسة "العرقلة"؟!
الاحتمالات المفتوحة
الاحتمالات أمام الرئيس المكلف "مفتوحة على كل الاتجاهات"، بحسب ما يقول النائب زياد القادري، الذي يشير إلى أنه "لو كان الحريري لديه رغبة في إبقاء الوضع على ما هو عليه، لما قدم اعتذاره عن تشكيل الحكومة، كما أن طريقة التسمية ودلالاتها على خلفية تكليف الحريري من قبل الأكثرية فقط أعادت خلط الأوراق وحررته من قيود كثيرة".
وفي مقاربة لطريقة تعاطي فريقي الأقلية والأكثرية مع الواقع السياسي وفي الشأن الوطني، يقدم عضو تكتل "لبنان أولاً" للرأي العام تجربتين ونهجين، الأولى "تجربة انتخاب الأكثرية أو جزءاً أساسياً منها للرئيس بري، ومد اليد والتطبيع السياسي لتبريد الساحة الوطنية والساحة الإسلامية بعد الانقسام الحاد، والذهاب بهذا الخيار دون أي شروط مسبقة على اعتبار أن هذا الأمر يفتح صفحة جديدة، واستكمل هذا النهج على صعيد الصيغة الحكومية وكذلك الحقائب".
أما التجربة الثانية، فهي "تجربة تعطيل قيام حكومة ووضع العراقيل أمام الرئيس الحريري، وفي التكليف الثاني لم تتكلف المعارضة عناء تسمية رئيس مكلف، وهذا ما يفضح بشكل كبير التعطيل الأول ولا يبشر بأن أي جديد ممكن أن يطرأ على موقف الأقلية".
الانكشاف السياسي والأمني
"لا أحد يحتكر التعطيل"، يقول القادري، ويضيف: "نعرف كيف نعطل، وباستطاعتنا ذلك، لكن هذا النهج ليس في صلب طروحاتنا ولا من نهجنا، وليس لدينا الرغبة في ذلك لأن مصلحة اللبنانيين فوق كل اعتبار".
في ما صدر من تحذيرات من بعض الأفرقاء عن احتمال تصعيد أمني أو تفجير يهدد لبنان ككل، يشير القادري، إلى أن "الرئيس السوري بشار الأسد أكد العام الماضي من باريس أهمية نسيان المرحلة الماضية، وبقيت هذه الوتيرة إلى ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة، لكن التصعيد المفاجئ والعودة عن الالتزامات السابقة، لكن اليوم هنا شيء ما تغير، والتحذير الأمني الذي يروج له أنصار سوريا في لبنان يندرج في سياق تقاطع الاشتباكات الاقليمية وانعكاسها على الوضع الداخلي اللبناني من خلال فريق الأقلية".
يخلص القادري إلى القول ان "بعض الأطراف بتصرفاتهم هذه، يخففون من مناعة لبنان وبالتالي يساهمون في انكشافه سياسياً وأمنياً في هذه اللحظة الخطيرة التي تمر فيها المنطقة، ويحاولون استدراج الأكثرية إلى افتعال مشكلة، ويغيب عن بالهم أن معركتنا هي العيش المشترك واحترام الدستور".
في المحصلة، يبدو أن الأفق السياسي يزداد "قتامة" يوماً بعد يوم، والتعويل إن لم يكن على "الأقاليم"، يبقى اعتدال الأقلية لبنانياً على الأقل، وعودتها إلى صوابها، هو المخرج الوحيد من النفق الأسود الذي رسمته بنفسها.