الضابط "المُخْلى سبيله" و"معلّمو"!!
دأبت سورية منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وإعلان مجلس الأمن الدولي في قراره الذي حمل الرقم 1595 (قيام لجنة تحقيق دولية؟)، على الإعلان أنها غير معنيّة بالمحكمة الدوليّة، وبحسب المنطق العقلي للأمور فإن مطلق فرد – وليس دولة – بأنه غير معني بأمر ما، أن لا يتحدث عنه ليل نهار، ويتوسل شتى الطرق واللف والدوران للحديث عنه، فكيف الحال بدولة تعتبر نفسها "محور" الشرق الأوسط، وعامل استقراره، وزعزعته أيضاً، عندما لا تكفّ عن استهداف محكمة دولية وتحقيق دولي في جريمة اغتيال شخصية لبنانية من الوزن العالمي، أخطأ كثيراً الذين اتخذوا قراراً باغتياله، ظناً منهم أن "النمطيّة" المعتادة في ردّ الفعل اللبناني، والعربي، والدولي أيضاً، ستكون كما كانت في كل الاغتيالات الكبرى التي عرفها لبنان، ولكن كان كيل اللبنانيين قد طفح عن آخره و"طفطف"!!
ما يستوقف أي متابع أن تكرر سورية لازمتها بأنها غير معنيّة بالمحكمة الدوليّة، ثم تتحرك على مستوى الأمم المتحدة إذ وعبر رسالة لوزير الخارجية السورية "اتهمت سورية الفريق الأول من المحققين الدوليين في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري بالتآمر عليها لإدانتها عمداً"، وطبعاً هذا حقّ لها، ولكن من يطلّع على مضمون الرسالة التي يُفترض أنها موجهة عبر أرفع مسؤول ديبلوماسي يمثّل بلاده، ويتكّل نصّ اتهامها على ما دأب على قوله "الضابط المخلى سبيله جميل السيد لعدم توفر أدلة الإدانة لاستمرار توقيفه على ذمة التحقيق"، هو ما يثير عجب مواطن عادي بسيط، فكيف لا يثير على الأقل الضحك في أروقة "الأمم المتحدة" مثلاً، قد يكون بان كي مون سأل بعدما قرأ عليه مضمون الرسالة: "مين جميل السيّد"؟ أو لربما مازال وزير الخارجية وليد المعلم قائماً على ظنّه، بأن جميل السيّد قادر على اختراع قضايا وتسويقها وأن الجميع سيصدقه، حتى الأمم المتحدة…
يَحزن جداً، أي قارىء لنصّ هذه الرسالة، أن لا يكون في دولة عربية كبرى كسورية، مستوى ديبلوماسياً رفيعاً، وإذا ما كان هناك من يملك كفاءة ما فقد تم تدجينه وبات يفكّر بعقليّة مخابراتية، لم تتطور منذ العام 1975 على الأقل، كلّ أجهزة المخابرات في العالم تطورت وواكبت العصر وثورة العلم فيه، إلا التقنية في سورية فالشقّ المخابراتي الذي يتحكم بالعقل السياسي، مازال "خشبيّ التفكير واللغة أيضاً"، الآن فهم اللبنانيون لماذا "تعنتر" جميل السيد إلى هذا الحدّ في مؤتمره الصحافي، "تاري كل هالعنترة مدخل وتوطئة للرسالة "المعلميّة"!!
يحقّ لدولة مثل سورية أن تتهم وتدعي على من تشاء، ولكن، على الأقل أن تتوجه إلى الأمم المتحدة بما يُناسب قدرها كدولة عربية تفترض أنها دولة أساسية لا "ثانوية" كما تعتبر لبنان، فإذا بها تتوكأ في رسالتها، على ضابط وضعه ملتبس في قضية بحجم اغتيال الرئيس الحريري، وقد يدقّ المدعي العام دانيال بيلمار بابه من جديد ـ بحسب تصريحه الأخير ـ متى توفرت له أدلة مقبولة في المعيار الدولي ـ لتتهم أول المحققين الدوليين في القضية ومساعده، والسؤال البديهي الذي يطرأ على ذهن أي قارىء للرسالة هو: لماذا انتظرت سورية سنوات أربع، وفي توقيت أصبحت فيه المحكمة وراء الباب، لتتقدم بادّعاء على ديتليف ميليس، والأنكى أنها تستند في ادّعائها إلى ضابط كان موقوفاً سابقاً متهماً بالاشتراك في تدبير عملية الاغتيال!!
محزنٌ جداً، أن يكون هذا هو واقع الدبلوماسية السورية في الألفيّة الثالثة، وفيها شباب متعلم وكفؤ وبمقدور الدولة السورية أن ترسله إلى أرقى المعاهد والأكاديميات الديبلوماسية للتخصص ليمثل بلاده خير تمثيل، ولكن يبدو أنها تفضّل مراسلة أعلى جهة دولية برسالة يكتبها ضابط قد يكون جميل السيد من كثرة ما ورد إسمه في الرسالة، "تقولو شي أوباما"!!
أما وزير الخارجية السورية وليد المعلم وفي رسالته إلى مجلس الأمن الدولي التي نُشرت أول امس، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية فجاء فيها: "أن أحد الضباط اللبنانيين الأربعة الذين أوقفوا من 2005 إلى (نيسان) 2009 في بيروت في إطار التحقيق في حادث الاغتيال، أدلى بتصريحات للإعلام بعد الإفراج عنه تدين رئيس لجنة التحقيق السابق ومساعده، الألمانيين ديتليف ميليس وغيرهارد ليمان… وأضافت الرسالة:" أن تصريحات اللواء جميل السيد، المدير السابق للأمن العام اللبناني، إلى وسائل إعلام عربية "تُظهِر بوضوح أن هدف لجنة التحقيق الدولية المستقلة برئاسة ديتليف ميليس ومساعده غيرهارد ليمان كان، منذ البداية، توريط سورية بأي ثمن كان في اغتيال رفيق الحريري".
وأكدت الرسالة أن القاضيين حاولا الضغط على السيد حتى "يقنع سورية بتحديد ضحية رسمي يقرّ بارتكاب الجريمة، ثم يعثر عليه ميتاً نتيجة انتحار أو حادث سيارة، يليه عقد ترتيب مع سورية، وعندما رفض السيد، أودع السجن لأربعة أعوام"… وتابع المعلم في رسالته أن "سورية تأسف لاستغلال رئيس اللجنة سلطاته بهذا الشكل وتعتبر أن على الأمين العام للأمم المتحدة أن يفتح تحقيقاً في هذه الوقائع"!!
"بشرفكن" ألا تُشبه هذه الرسالة "شريط فيديو" محمد أبو عدس الذي عثرت عليه قناة الجزيرة خلف شجرة في وسط بيروت بُعيد الانفجار؟؟ وألا يُشبه خبرية إيلي الفرزلي و"العملية الاستشهادية"؟؟ وألا يُشبة "تفنكة" هسام هسام، الذي لم يقل لنا أحد ماذا كان يفعل في موقع اغتيال جورج حاوي وجنازته، وإلى من كان يتحدّث عبر الهاتف؟؟؟ "بشرفكن"، من يصدّق أن وزير خارجية دولة "طويلة عريضة" يخاطب مجلس الأمن مستشهداً بأحاديث متلفزة ومؤتمرات صحافية لضابط سابق كان موقوفاً على ذمة القضية، وما هو أسوأ من الرسالة، أن "الزلمي" – انتص 4 سنين توقيفاً – فسجن إكراماً لإخلاصه لسورية لأنه رفض "تطبيق ميليس له" ومع هذا لم تكرّمه بعد الدولة السورية وتمنحه جنسيتها كمواطن شرف ولا وساماً ولا وشاحاً رفيعاً على إخلاصه لها ورفضه التواطؤ عليها !! والسؤال الأهم: لماذا تظن الديبلوماسية السورية أن قاضياً ألمانياً قد يفكّر على طريقة الإخوان:"أبو عبدو، وأبو صياح، وغوار الطوشي وبدري أبو كلبشة"، ثم يقولون "المحكمة الدولية لا تعنينا"!!
؟: بموجب القرار 1595 انشأت لجنة التحقيق الدولي بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وقضى بأن يهدف هذا التحقيق الى مساعدة الحكومة اللبنانية على أداء مهامها المطلوبة، وفي 13 كانون الأول 2005، طلبت حكومة الجمهورية اللبنانية إلى الأمم المتحدة إنشاء محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع المسؤولين المفترضين عن الاعتداء الذي وقع في 14 شباط 2005 في بيروت وأدّى إلى مقتل رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري و 22 آخرين. وعملاً بقرار مجلس الأمن 1664 (2006)، أجرت الأمم المتحدة والجمهورية اللبنانية مفاوضات لإبرام اتفاق بشأن إنشاء المحكمة الخاصة للبنان، وبموجب قرار مجلس الأمن 1757 (2007) المؤرخ 30 أيار 2007، دخلت حيز التنفيذ في 10 حزيران 2007 أحكام الوثيقة المرفقة بالقرار المذكور والنظام الأساسي للمحكمة الخاصة الملحق بها. ومن المعروف ان القرارين 1373 و1566 المستندين الى الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة يفرضان على جميع الدول، ومن دون أي استثناء تقديم المساعدات والاجراءات كافة التي تسهم في مكافحة الارهاب والواضح ان جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري اعتبرت منذ وقوعها (أي منذ البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الامن في 15/2/2005) على أنها عمل ارهابي.