
لبنان ليس طهران أو صنعاء أو صعدة ولن يكون قندهار. هذا التقاطع في تنفيذ الإنقلابات ليس بغريب عن ارتباطات “حزب الله”. إلا انّ الحزب يغفل أنّ لبنان الشّعب والأرض لن يكون كشعوب الدّول التي انتصرت ثورات مناصريه فيها. هل سيسمح اللبنانيّون للتّاريخ بأن يعيد نفسه؟ وهل سيستطيع “حزب الله” تطويع كلّ اللبنانيين ليسيطر على كلّ لبنان؟
ما حدث في صنعاء، حيث تمطّى الحوثيّون الحراك الشّعبي المحق لينقضّوا بعد ذلك عليه ويفرضوا انقلابهم على الدّولة بأكملها، لن يكون في لبنان. كذلك في التّاريخ القريب، في أواخر سبعينات القرن المنصرم، وتحديداً عام 1978، عندما فُرِض مؤسس الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران روح الله الخميني، في المعادلة الإيرانيّة لمواجهة الشّاه الذي تحوّل إلى رمز للفساد على جميع الصعد.
فما كان من الخميني إلا أن حرّض كلّ اليسار والعلمانيين والمعارضين لحكم محمد رضا بهلوي في مواجهة مباشرة مع الشاه الفاسد، وأبقى أنصار الثّورة الإسلاميّة في الخطوط الخلفيّة. وما إن سقط الشّاه انقلب، وبسرعة قياسيّة أنصار الخميني على الثورة الحقيقيّة وصاروا هم الثّورة الإسلاميّة، ليستلموا الحكم، وعندها كرّت الإعدامات وعلّقت المشانق بالجملة في ساحات طهران وتسلّط الخميني بالقبضة الحديديّة على إيران الدّولة، ونقلها من حكم شاه فاسد تحت ضغط مطالب الشّعب المحقّة، إلى جمهوريّة إسلاميّة غيّرت نمط عيش كلّ المجتمع الإيراني ونقلته من مرحلة إلى مرحلة (لن نغوص في تحليل تفاصيلها الآن). فحصان طروادة هو هو ذلك الشّعب المسكين.
واليوم حذار أن يسعى “حزب الله” لتكرار هذا السيناريو بعد الحراك الشعبي في لبنان، ومن البديهي أنّ مطالب الذين يتظاهرون في شوارع بيروت لحل أزمة النفايات ووقف المحاصصة والفساد والهدر هي مطالب محقّة، إلا أنّ الطّريق التي يسعى البعض منهم الى أخذ الامور اليها للوصول إلى مطالبهم خاطئة بشكل لا يقبل الجدل. فهم ينادون بإسقاط آخر معاقل الدّستور في الجمهوريّة الثانية لنقل لبنان إلى عصر الجمهوريّة الثالثة. ومن البديهي أن تكون صيغة المثالثة إحدى أهدافها، هذا إذا لم يصل الحزب في جنون عظمته ليضع نصب عينيه السّيطرة على كلّ لبنان، وبالتّالي على نهج الثورة الإسلاميّة، ومحاولة نقل المجتمع اللبناني من كيانيّة شارل مالك إلى كيان جديد قد يكون كيان نعيم قاسم، لا سيّما وأنّ مقاومتهم تمّ اسقاطها دوليّا بعد القرار 1701.
بناء عليه، وبعد الإتفاق الإيراني – الأميركيّ ستتوالى المفاعيل الأميركيّة على المنطقة، فالولايات المتّحدة الأميركيّة تعمل اليوم على الحرب الإقتصاديّة، وهي التي قوّضت اليورو في أوروبا، وخفضت الأسهم الصينيّة 5% بيوم واحد، لذلك تضع نصب عينيها إيران كأرض صالحة للإستثمار، وتعتبر أن مصلحتها الإستثمار في ظلّ سلام داخلي وليس حرباً داخليّة. فهي، أي الولايات المتّحدة الأميركيّة، لم تنسَ بعد ما حدث معها في العراق وكم كلّفتها ثروته، وكيف استطاعت الخروج من المستنقع العراقي بأقل كلفة ممكنة. ومن يعلم فقد تتفعّل الجالية اليهوديّة في إيران، وقد يصل الأمر بين إيران وإسرائيل إلى حدّ تبادل التّمثيل الديبلوماسي بناء على توصيات أميركيّة نتيجة هذا الإتّفاق. وعندها أيّ دور لـ”حزب الله” سيكون في لبنان والمنطقة؟
كلّ ذلك إن كان سيحدث، لن يمرّ مرور الكرام في لبنان، بلد المقاومة الحقيقيّة التي تبلغ من العمر اكثر من 1400 عام، وهي مستمرّة وستبقى وتستمرّ كي لا تمرّ مثل هذه المشاريع. واليوم وضعنا خارطة طريق تبدأ بانتخاب رئيس الجمهوريّة لتصبح الحكومة الحاليّة بحكم المستقيلة، فيُكلَّف رئيس جديد للحكومة الجديدة وتُجرى انتخابات نيابيّة وتستقيم عجلة الدّستور في الجمهوريّة كلّها.
وليعلم الجميع الدّاعي أو الدّاعشي مصيره تحت تراب لبنان وليس فوقه، ومن له أذنان سامعتان … فليسمع.