إلى متى يُفرض على لبنان الاختيار بين السيئ والأسوأ
فلا ينتقل إلى مرحلة الاختيار بين الحسن والأحسن؟!
ماذا تعني دعوة الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله الى الهدوء والتروي والابتعاد عن التوتر وقوله "ان نصل متأخرين أفضل من ان نودي ببلدنا الى التهلكة"؟
هذه الدعوة في رأي اوساط سياسية تعني انه خير للبنان ان يقبل بـ"الكحل" من ان يواجه "العمى" وان يقبل بالسيئ من ان يواجه الاسوأ… وان يعيش في فراغ حكومي من ان يعيش في فوضى سياسية وامنية اذا صار سد هذا الفراغ على نحو لا يرضي كل القوى السياسية الاساسية في البلاد.
هذه الخيارات الصعبة واجهها لبنان اكثر من مرة. فعندما وضع "اتفاق القاهرة" الذي شرع انطلاق العمليات الفدائية الفلسطينية من جنوب لبنان ضد اسرائيل، خُيّر اللبنانيون بين القبول به على علاته، وهو "الكحل"، او مواجهة حرب فلسطينية – لبنانية مدمرة وهي "العمى"… وعندما وضع "اتفاق الطائف" الذي نقل السلطة الاجرائية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، خيّر معارضو هذا الاتفاق بين القبول به على رغم ما فيه من شوائب وثغر، او عودة الاقتتال بين اللبنانيين وكانوا قد تعبوا منه وتحملوا ما تحملوه من الدمار والخراب في كل القطاعات. ثم خيّر اللبنانيون بين مواجهة فراغ رئاسي الى اجل غير معروف وشبه فراغ حكومي ومجلسي او انتخاب رئيس للجمهورية من غير قوى 8 و14 آذار وتأليف حكومة وحدة وطنية يكون فيها للاقلية المعارضة "الثلث المعطل"، فاضطرت الاكثرية المتمثلة بقوى 14 آذار الى التسليم بما تريده الاقلية حرصا منها على اخراج البلاد من الوضع الشاذ، وتجنبا لتجدد احداث 7 ايار، فكان الاتفاق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية وتأليف حكومة من اكثرية لا تقرر واقلية لا تعطل سميت "حكومة وحدة وطنية"… واجراء انتخابات نيابية على اساس قانون مذهبي هو قانون عام 1960…
وكما ان الدول الديموقراطية تعود الى الشعب لتحتكم اليه بالانتخابات عندما تواجه ازمات يستعصي عليها حلها، فان قوى 14 آذار اعتبرت لبنان من هذه الدول فذهبت الى الانتخابات علّ نتائجها تكون السبيل للخروج من ازمة تأليف الحكومة ومن تهمة الاكثرية "الوهمية والعابرة". وعندما عادت هذه الاكثرية اكثرية حقيقية افرزتها انتخابات حرة ونزيهة، عادت الاقلية الى ممارسة دور التعطيل الذي كانت تمارسه قبل الانتخابات. فكما انه لم يكن لها حق انتخاب رئيس للجمهورية منها او حتى بنصف زائد واحد، فليس لها الآن حق تأليف حكومة منها بدعوى ان دقة المرحلة وخطورتها توجبان تأليف حكومة من الاكثرية ومن الاقلية وفق معادلة لم ينص عليها اي دستور وهي: 15 + 10 + 5. وتخيّر المعارضة، كونها مسلحة وقادرة على احداث فراغ حكومي كما احدثت من قبل فراغا رئاسيا، الاكثرية النيابية بين القبول بحكومة وحدة وطنية تسمي هي فيها، اي المعارضة، وزراءها والحقائب، او بقاء البلاد من دون حكومة الى اجل غير مسمى.
إما القبول وإما الفراغ
ولان دور الاقلية المعارضة، ولأسباب اقليمية، هو دور التعطيل لاحداث فراغ في السلطة الثالثة ينسحب شللا على كل المؤسسات، فانها لم تبحث عن حلول لعملية التأليف، انما عن عقد، فوجدت في الاصرار على توزير جبران باسيل، وهو راسب في الانتخابات، على ان تسند اليه وزارة الاتصالات بالذات بعدما صارت وزارة لها علاقة بالامن، العقدة التي لا حل لها، والتي تضع الاكثرية النيابية مرة اخرى بين خيارين: اما القبول بهذا الشرط وإما لا حكومة وليكن عندئذ تعطيل وفراغ…
وقد نجحت الاقلية المعارضة ومن وراءها حتى الآن في تحقيق ما تريد وجعلت رئيس الجمهورية يذهب الى الامم المتحدة مع حكومة تصريف اعمال وليس مع حكومة وحدة وطنية تعزز موقف لبنان امام الاسرة الدولية وتبرز صورة وجهه الديموقراطي وتؤكد حسن ممارسته لنظامه ودستوره واللجوء اليهما لحل ازماته. فاذا استمرت المعارضة في موقفها الرافض اي صيغة حكومة غير صيغة الـ15+10+5، مع الاصرار على ان يكون صهر العماد ميشال عون جبران باسيل دون سواه وزيرا للاتصالات، فمعنى ذلك ان يبقى لبنان في فراغ حكومي حتى اذا ما حصل اعتداء اسرائيلي عليه او على اي دولة اخرى في المنطقة، فلا تكون في لبنان مرجعية مسؤولة تتخذ القرارات المهمة لمواجهة ذلك. وعندما لا يكون وجود في لبنان لمثل هذه المرجعية، فان سلاح "حزب الله" يكون له الدور الأول في التحرك وفقا لما يراه الحزب ووفق لما تقضي به التطورات في المنطقة، ويصبح لبنان ورقة في مهب الريح قد تجعل التسويات تتم على حسابه…
أمام الخيارات الصعبة
لذلك، فان خطة قوى 8 آذار والمتحالفين معها باتت معروفة وواضحة منذ ما قبل الانتخابات بحيث تكون رابحة في كل المجالات. فاذا فازت بالاكثرية النيابية فهي التي تحكم. واذا لم تفز بها فانها تتحكم كأقلية باكثرية 14 آذار. واذا تألفت حكومة وحدة وطنية، فانها تكون قد شاركت في حكم المناطق التي لا تسيطر عليها، وابقت المناطق التي تسيطر عليها لا شريك لها فيها… اما اذا تعذر الاتفاق على تأليف حكومة وحدة وطنية وظلت عقدة توزير جبران باسيل من دون حل، فان الاقلية المعارضة لا تخسر شيئا انما الخاسر هو اكثرية 14 آذار التي لم تتمكن من ايصال رئيس جمهورية منها الى قصر بعبدا، ولم تتمكن من تأليف حكومة منها لان هذه المعارضة وضعتها بين خيارين: إما حكومة بشروطها، اي بشروط المعارضة، فتستطيع اذذاك ان تتحكم في قراراتها، وإما لا حكومة ولتكن عند ذاك حال "الكحل" التي تبقي الوضع في لبنان شاذا وتبقي سلاح "حزب الله" حر التصرف وخارج اي بحث وخارج التداول… اما الخروج من هذه الحال الى حال اخرى مثل تأليف حكومة لا تأخذ بمعادلة الـ15+10+5، فهو "العمى"… وهذا يفسر قول الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله: "لا يأخذن احد البلد الى توتر سياسي ولا الى توتر طائفي ولا الى توتر مذهبي ولا الى توتر امني ولا داعي لذلك. كلنا جربنا وكلنا نخسر بذلك. الخطاب المذهبي هو سيف ذو حدين".
وهذا القول يعني ان على اللبنانيين ان يختاروا بين تأليف حكومة "وحدة وطنية" على اساس 15+10+5 وبشروط المعارضة من حيث تسمية وزرائها واختيار الحقائب، او البقاء بلا حكومة الى اجل غير مسمى، وهي حال "الكحل" التي تظل افضل من حال "العمى" اذا ما اقدمت الاكثرية على تأليف حكومة على غير هذا الاساس. وهذا ما يفسر قول السيد نصر الله ان "نصل متأخرين افضل من ان نودي بالبلد الى التهلكة".
والسؤال المطروح هو: هل تفضل الاكثرية مواجهة حال "الكحل" على مواجهة حال "العمى"، فيظل سعد الحريري رئيسا مكلفا والسنيورة رئيس حكومة تصريف اعمال الى اجل غير مسمى ويقبل اللبنانيون بما قبلوا به من قبل عند وضعهم امام الخيارات الصعبة: "اتفاق القاهرة" او الحرب، و"اتفاق الطائف" او الفتنة، و"اتفاق الدوحة" او الفراغ؟!
فمتى ينتقل لبنان من الخيار بين الكحل والعمى، وبين السيئ والأسوأ، الى الخيار بين الحسن والاحسن؟!